في الوقت الذي كان فيه آلاف طلاب المدارس الدولية وأسرهم ينتظرون إعلان النتائج باعتبارها محطة اعتيادية في نهاية العام الدراسي، تحولت شاشات الهواتف ورسائل المجموعات الإلكترونية إلى ساحة واسعة للدهشة والغضب والارتباك، درجات منخفضة، ونسب رسوب وصفها أولياء الأمور بأنها غير مسبوقة، ومواد لم تكن يومًا مصدر قلق داخل المدارس الدولية أصبحت فجأة محور الأزمة التعليمية الأبرز في مصر.

قرار الوزير.. الهوية القومية تدخل قلب التقييم

المشهد بدأ من مواد الهوية القومية، اللغة العربية، والدراسات الاجتماعية، والتربية الدينية، فبينما كانت الوزارة تتحدث عن استعادة الانضباط لمنظومة ظلت لسنوات تعاني من مشكلات في تدريس هذه المواد، كان أولياء الأمور يرون أن أبناءهم يدفعون ثمن تراكمات لم يكونوا مسؤولين عنها.

العودة إلى بداية القصة تكشف أن وزارة التربية والتعليم كانت قد حسمت موقفها مبكرًا، حينما أصدر وزير التربية والتعليم والتعليم الفني محمد عبد اللطيف قرارًا ينظم الدراسة والامتحانات والتقويم بالمدارس الدولية والمدارس التي تطبق مناهج أجنبية داخل مصر، واضعًا مواد الهوية القومية في قلب العملية التعليمية، وليس على هامشها كما كان يحدث في كثير من الأحيان.

القرار ألزم المدارس بتدريس اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية وفق المناهج المصرية المعتمدة، كما نص على احتساب درجات بعض هذه المواد ضمن المجموع الكلي للطلاب، سواء في المراحل الدراسية المختلفة أو في الشهادات الدولية المعادلة للثانوية العامة المصرية، وبموجب القرار، بدأ التطبيق على مراحل دراسية مختلفة اعتبارًا من العامين الدراسيين 2024/2025 و2025/2026.

أولياء الأمور: الطلاب يدفعون ثمن سنوات من الإهمال

لكن مع ظهور النتائج، خرج أولياء الأمور برواية مختلفة تمامًا، ففي تصريحات أولياء الأمور لـ أحداث اليوم منذ أيام، أكدوا أن ما حدث لا يعكس المستوى الحقيقي للطلاب ولا تاريخهم الدراسي، مشيرين إلى حالات رسوب بفارق نصف درجة فقط، وإلى نسب إخفاق اعتبروها الأعلى منذ سنوات داخل منظومة التعليم المصرية.

ورأى أولياء الأمور أن الأزمة تتجاوز حدود الدرجات والأرقام، معتبرين أن آلاف الطلاب درسوا لسنوات طويلة داخل نظام تعليمي لم يمنح مواد الهوية القومية الاهتمام الكافي، ثم وجدوا أنفسهم أمام متطلبات جديدة وتقييم أكثر صرامة دون فترة انتقالية كافية تسمح لهم بالتأقلم، وطالبوا بإعادة فحص النتائج ومراجعة آليات التصحيح، مؤكدين أن تحقيق أهداف الدولة في تعزيز الهوية الوطنية لا ينبغي أن يأتي على حساب مستقبل الطلاب أو استقرارهم النفسي.

أوراق بيضاء ودرجات كاملة.. ماذا اكتشفت لجان التعليم داخل المدارس الدولية؟

في المقابل، قدمت وزارة التربية والتعليم ردًا على هذه الأزمة وتصريحات أولياء الأمور، حيث أكد شادي زلطة، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، أن الوزارة لم تضف مواد جديدة إلى الدراسة، وإنما تطبق القواعد المنظمة القائمة بالفعل، مشددًا على أن مواد الهوية القومية تمثل جزءًا أساسيًا من بناء شخصية الطالب وترسيخ انتمائه الوطني، وأن هناك توجيهات مباشرة من الوزير منذ العام الدراسي الماضي بضرورة إعطاء هذه المواد ما تستحقه من اهتمام داخل المدارس الدولية.

وكشف زلطة عن جانب آخر من الصورة، موضحًا أن الوزارة فوجئت عقب إعلان النتائج بوصول نسب النجاح في مواد الهوية القومية إلى 100% تقريبًا في عدد كبير من المدارس الدولية، وهو ما أثار تساؤلات دفعتها إلى إرسال لجان متابعة ومراجعة ميدانية.

وبحسب المتحدث الرسمي، انتقلت لجان التفتيش إلى 45 مدرسة دولية، وأسفرت أعمال الفحص عن رصد مخالفات داخل 12 مدرسة، وكانت المفاجأة الأكبر وفق رواية الوزارة العثور على أوراق إجابة خالية من الحلول أو تحتوي على إجابات غير مكتملة، بينما حصل أصحابها على درجات كاملة أو نسب مرتفعة وصلت إلى 80%.

الوزارة اعتبرت هذه الوقائع مخالفات إدارية وقانونية تستوجب المساءلة، وأحالت الملفات إلى الشؤون القانونية لاتخاذ الإجراءات اللازمة، مؤكدة أن الهدف ليس التضييق على الطلاب، وإنما ضمان نزاهة الامتحانات وحصول كل طالب على الدرجة التي يستحقها بالفعل.

بين التظلمات والتحقيقات.. من يدفع ثمن أزمة مواد الهوية؟

وبين رواية أولياء الأمور ورواية الوزارة، برز تطور جديد قد يفتح بابًا للتهدئة، فقد كشفت مصادر بمديريات التربية والتعليم عن إتاحة باب التظلمات أمام الطلاب وأولياء الأمور المعترضين على النتائج، مؤكدة أن الطلبات المقدمة تخضع حاليًا للفحص والمراجعة وفق الإجراءات الرسمية المعمول بها.

وأكدت المصادر أن أعمال التصحيح ورصد الدرجات تمت وفق نماذج الإجابة والمعايير المحددة، وأن النتائج المعلنة تعكس المستوى الفعلي للطلاب، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن جميع التظلمات يتم التعامل معها بجدية كاملة، مع مراجعة دقيقة لكل حالة للتأكد من حصول كل طالب على حقه دون زيادة أو نقصان.

وأضافت المصادر أن هناك توجيهات مباشرة بمراعاة مصلحة الطلاب وتحقيق العدالة الكاملة في فحص التظلمات، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة حال ثبوت أحقية أي طالب في تعديل درجاته.

خبير تربوي: أزمة مواد الهوية بالمدارس الدولية نتاج تطبيق قرارات الإصلاح بشكل فوري

تعلقيًا على هذه الأزمة، قال الدكتور تامر شوقي، الخبير التربوي، إنه بشان الجدل المثار حول نتائج مواد الهوية القومية بالمدارس الدولية، فأن أهداف وزارة التربية والتعليم في إصلاح المنظومة التعليمية تعد أهدافًا مهمة وضرورية لمعالجة أخطاء تراكمت على مدار سنوات طويلة.

وقال شوقي إن من بين هذه الإصلاحات إعادة الاعتبار لمواد الهوية القومية داخل المدارس الدولية بعد سنوات من ضعف الاهتمام بها، إلى جانب تشديد ضوابط النجاح في مادة التربية الدينية، وكذلك تطوير نظام الثانوية العامة من خلال تطبيق نظام البكالوريا.

وأوضح أن الأزمة الحالية لا ترتبط بأهداف الإصلاح نفسها، وإنما بطريقة تطبيقها، مشيرًا إلى أن المشكلات ظهرت نتيجة التطبيق الفوري للقرارات دون منح الطلاب والمجتمع التعليمي الوقت الكافي للاستعداد والتأقلم معها.

وأضاف أن معالجة مشكلات تراكمت لعقود لا يمكن أن تتم خلال عام دراسي واحد، لافتًا إلى أن التغييرات الجوهرية في النظم التعليمية تحتاج إلى التدرج في التطبيق، بحيث تبدأ مع الطلاب منذ دخولهم المرحلة الدراسية وليس أثناء وجودهم في منتصفها.

وأكد الخبير التربوي أن نجاح أي خطة إصلاحية يرتبط بتهيئة الطلاب وأولياء الأمور والمدارس لها بشكل كافٍ، بما يحقق أهداف التطوير دون أن يتسبب في أزمات أو آثار سلبية على الطلاب.

ووفقا لمجموعات أولياء الأمور المتخصصة في شئون التعليم، فإن هذه الأزمة حاليًا عند مفترق طرق، الوزارة تتحدث عن معركة لاستعادة الانضباط داخل المدارس الدولية وتصحيح أخطاء تراكمت لسنوات، بينما يرى أولياء الأمور أن أبناءهم وجدوا أنفسهم فجأة في قلب تجربة انتقالية لم يُمنحوا الوقت الكافي للاستعداد لها.