يعتقد خبراء في أسواق المال أن إدراج شركات الأندية الرياضية في البورصة قد يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار الرياضي في مصر، من خلال توفير تمويل طويل الأجل، وتعزيز الشفافية والحوكمة، وجذب شرائح جديدة من المستثمرين. ومع ذلك، يبقى نجاح هذه التجربة مرهونًا بسلامة التقييمات، وقوة المراكز المالية، ووضوح الرؤية الاستثمارية لكل نادٍ يسعى إلى الطرح، وفق ما أفادوا لموقع مصراوي.

تشير التقارير إلى أن مساهمة قطاع الرياضة في الناتج المحلي الإجمالي المصري تبلغ نحو 1.3% وفق تقرير معهد التخطيط القومي الصادر في أكتوبر 2024، مع استهداف رفع هذه النسبة إلى 3% بحلول عام 2030.

وحسب أرشيف الأخبار، يبلغ حجم الاستثمار في القطاع الرياضي حوالي 1.97 مليار جنيه خلال عام 2023، بزيادة قدرها 132.88% مقارنة بالفترات السابقة. كما أعلن وزير الشباب والرياضة أن إجمالي الاستثمارات الرياضية المنفذة بين عامي 2019 و2024 وصل إلى نحو 24 مليار جنيه، مع خطة لجذب استثمارات إضافية بقيمة 6 مليارات جنيه خلال عام 2025.

فرصة بحذر

يقول شريف منصور العضو المتندب لشركة الصقر للأوراق المالية إن البورصة تمثل للأندية الرياضية مصدرًا مهمًا للتمويل. موضحًا أن الاستفادة من هذا المصدر تتطلب أولاً توفيق أوضاع الأندية من خلال إنشاء شركات مساهمة مستقلة عن الكيان الرياضي، على غرار إنشاء شركات لإدارة نشاط كرة القدم، مما يسمح لها بزيادة رؤوس أموالها عبر طرح الأسهم في البورصة.

ويضيف لـ”مصراوي” أن تجربة طرح شركة نادي غزل المحلة قبل نحو عامين لم تحقق النتائج المأمولة؛ لكنه يرجع ذلك إلى طبيعة النادي وحجمه وضعف جاذبيته الاستثمارية مقارنة بالأندية الجماهيرية. ويعتبر أن طرح شركات تابعة لأندية مثل الأهلي أو الزمالك قد يحظى بإقبال أكبر من المستثمرين.

يوضح منصور أن إدراج شركات الأندية في البورصة لا يقتصر على جمع التمويل فحسب؛ بل يفرض التزامات واسعة تتعلق بقواعد القيد والإفصاح والحوكمة وإصدار القوائم المالية بصورة دورية. كما يتطلب تحديد أوجه استخدام حصيلة الطرح مسبقًا، سواء لتطوير البنية التحتية أو تنفيذ مشروعات تحقق عوائد مستدامة، وليس توجيهها لمصروفات تشغيلية مؤقتة.

وفق بيانات رسمية، تسعى الحكومة ضمن هذه الرؤية إلى توسيع قاعدة الاستثمار الرياضي من خلال زيادة عدد شركات الخدمات الرياضية إلى نحو 4500 شركة مقابل حوالي 600 شركة حاليًا. وهذا يعكس توجهًا نحو إشراك القطاع الخاص وتعزيز الطابع الاقتصادي للأنشطة الرياضية.

البورصة ترحب بالجميع

من جهته، يقول مهاب عجينة رئيس قسم التحليل الفني في شركة بلتون المالية إن البورصة لا تفرض قيودًا خاصة على إدراج الأندية الرياضية. موضحًا أن الشرط الأساسي يتمثل في أن تكون الشركة الراغبة في الطرح قد حققت أرباحًا لمدة عامين على الأقل وأن تكون مقيدة كشركة مساهمة؛ مما يسمح لها بطرح أسهمها وفقًا للقواعد المنظمة.

يضيف لـ”مصراوي” أن طرح الأندية في البورصة لا يرتبط بفكرة تخارج الدولة من النشاط الرياضي؛ بل يمثل وسيلة للحصول على تمويل من خلال استقطاب مساهمين جدد أو زيادة رأس المال. وهذا يوفر للشركات مصدرًا منخفض التكلفة للتمويل بالإضافة إلى منحها قيمة سوقية واضحة ترتبط بأدائها ونتائج أعمالها.

ويلفت عجينة إلى أن الاستثمار في الأندية الرياضية ليس فكرة جديدة؛ حيث إن العديد من الأندية العالمية مدرجة بالفعل في البورصات. وجود قطاع رياضي داخل البورصة المصرية يمكن أن يسهم في تنويع القطاعات الممثلة للاقتصاد ويتيح للمستثمرين فرصًا استثمارية جديدة.

وفق دراسات بحثية، تشمل التحديات التي تواجه الاستثمار الرياضي تهالك بعض البنية التحتية وعدم وضوح بعض اللوائح التنفيذية وضعف التمويل المتاح للقطاع ونقص الكفاءات الإدارية المتخصصة.

هذا هو الوقت المناسب

أما ريمون نبيل خبير أسواق المال فقال إن السوق المصرية تمتلك حاليًا القدرة على استيعاب أي طروحات جديدة بما فيها طروحات الأندية الرياضية.

وأوضح أن متوسط قيم التداول اليومية يتجاوز 8 مليارات جنيه بالإضافة إلى الزيادة الكبيرة في قاعدة المستثمرين خلال العام ونصف العام الماضيين. فضلًا عن وصول البورصة لمستويات تاريخية وارتفاع أحجام التداول؛ وهي عوامل تجعل السوق قادرة على استقبال أي طرح جديد.

يضيف لـ”مصراوي” أن الحديث عن تخوف المستثمرين من الاستثمار في أسهم الأندية الرياضية لا يزال سابق لأوانه؛ موضحًا أن قرار الاستثمار لا يرتبط بطبيعة النشاط وإنما يعتمد على القيمة العادلة للطرح وجودة التقييم وحجم الأصول والعوائد المتوقعة وكفاءة الإدارة.

يرى نبيل أن القطاع الرياضي يمكن أن يجذب المستثمرين إذا طُرح من خلال كيان يتمتع بملاءة مالية قوية وهيكل واضح وأصول معلنة. لافتًا إلى إمكانية تحقيق إقبال كبير إذا توافرت له مقومات النجاح.

تجدر الإشارة إلى أن استضافة البطولات الرياضية الكبرى تعتبر أحد أهم مصادر العائد الاقتصادي؛ مثل بطولة كأس الأمم الأفريقية التي حققت عوائد استثمارية مباشرة بلغت 16 مليون دولار إضافةً إلى 280 مليون جنيه من حقوق البث مع ارتفاع نسب إشغال الفنادق لنحو 80% أثناء البطولة.

هل الأندية مستعدة؟

يرى شريف منصور أن نجاح الطرح يعتمد بالأساس على وجود فرصة استثمارية واضحة للمساهمين. موضحًا أن المستثمر يقارن دائمًا بين سهم النادي وغيره من الأسهم المدرجة في قطاعات الصناعة أو البنوك أو العقارات؛ لذلك يحتاج للاطلاع على قوائم مالية وخطة أعمال ومؤشرات ربحية وعوائد متوقعة قبل اتخاذ قرار الاستثمار.

يشير أيضًا إلى أنه رغم الشعبية الجماهيرية التي تمنح بعض الأندية ميزة نسبية لجذب الاكتتاب إلا أنها ليست كافية وحدها. إذ ينبغي أن تكون الشركة المطروحة ذات إدارة احترافية واستراتيجية واضحة وخطط قابلة للتنفيذ تحقق قيمة مضافة للمساهمين.

يضيف بأن الالتزام بأحكام قانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992 يمثل أحد أكبر التحديات أمام الأندية الراغبة في الطرح نظرًا لما يفرضه القانون من متطلبات تتعلق بالإفصاح والرقابة الداخلية وإدارة المخاطر وإعلان المعلومات الجوهرية التي قد تؤثر على سعر السهم؛ وهو ما قد يتعارض أحياناً مع طبيعة إدارة النشاط الرياضي.

يضرب مثالاً بإمكانية تعاقد أحد الأندية مع لاعب بارز موضحاً أنه يمكن اعتبار مثل هذه الصفقة معلومة جوهرية تستوجب الإفصاح عنها وفق قواعد السوق؛ مما يستلزم استعداداً مؤسسياً للتعامل مع متطلبات الشركات المقيدة بالبورصة.

يرى منصور أنه لتحقيق نجاح تجربة طرح شركات الأندية يجب إعداد تصور متكامل قبل التنفيذ يبدأ بتقييم قدرة الأندية على الوفاء بالتزاماتها التنظيمية ثم وضع خطة واضحة لاستثمار حصيلة الطرح بما يحقق عائداً للمساهمين حيث إن الاستثمار بالأسهم يقوم أساساً على تحقيق الربحية وليس تقديم التمويل كتبرعات.

كما يدعو للاستفادة من التجارب الدولية وخاصة تجارب الأندية الأوروبية المدرجة بالبورصات مع البدء بعدد محدود من الطروحات لقياس تفاعل المستثمرين واستخلاص الدروس قبل التوسع بإدراج شركات الأندية بالسوق المصرية.

تشير تجارب دول أخرى إلى التأثير الاقتصادي للرياضة؛ حيث حققت كوريا الجنوبية عوائد سياحية بلغت 522 مليون دولار نتيجة استضافة كأس العالم عام 2002 بينما بلغت المساهمة الاقتصادية للبطولة حوالي 713 مليون دولار ووصل حجم صناعة الرياضة لديها نحو 56 مليار دولار بحلول عام 2022 يعمل بها حوالي 458 ألف شخص.

كما حقق أكبر عشرين ناديًَا بالبرازيل إيرادات تجاوزت مليار وثمانمائة مليون دولار خلال عام 2023 بينما خصصت سنغافورة نحو ستة عشر مليون دولار سنغافوري لدعم الرياضيين بالإضافة لمنح تصل لمليون دولار سنغافوري للمشروعات الرياضية المعتمدة على التكنولوجيا.

رؤى واتجاهات

تشهد البيئة التشريعية تطورات ملحوظة بعد صدور قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017 الذي أتاح إنشاء شركات مساهمة للأندية الرياضية والسماح بطرحها بالبورصة ومنح المستثمرين حق الانتفاع بالمنشآت الرياضية لفترات طويلة بالإضافة لتعديلات عام 2025 التي وسعت نطاق الشركات المسموح لها بممارسة الأنشطة والخدمات الرياضية.

يوضح مهاب عجينة بأن الطرح الخاص يقتصر على مستثمرين محددين يتمتعون بملاءة مالية لكن ذلك لا يعفي الشركة من الالتزام بقواعد الإفصاح مشيراً لأن وجود الأندية داخل البورصة يلزمها بإعلان نتائجها المالية بصورة دورية مما يعزز مستويات الشفافية والرقابة ويحدّ من أي ممارسات غير سليمة بالإدارة.