لم يعد الاهتمام الأوروبي بملف جماعة الإخوان المسلمين مقتصراً على الجمعيات الدينية أو المراكز الإسلامية أو المؤسسات الخيرية التي ارتبط اسمها لعقود بالنقاشات الدائرة حول نفوذ الجماعة داخل القارة، بل انتقل خلال السنوات الأخيرة إلى مستوى أكثر تعقيداً يتعلق بالشبكات الاقتصادية والاستثمارية التي يعتقد باحثون وأجهزة أمنية أوروبية أنها تشكل أحد أهم مصادر القوة والاستمرارية والنفوذ لهذه الشبكات.
فبعد سنوات من الرقابة المشددة على المؤسسات الدينية والجمعيات المرتبطة بالإسلام السياسي، بدأت أجهزة الأمن والاستخبارات في عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا والنمسا وهولندا، توسيع نطاق المتابعة ليشمل الشركات والاستثمارات والعقارات والشبكات التجارية التي تعمل بصورة قانونية في الظاهر، لكنها تثير تساؤلات متزايدة حول طبيعة ارتباطاتها الفكرية والتنظيمية ومصادر تمويلها الحقيقية.
وتشير تقارير أوروبية متخصصة إلى أن بعض الشبكات المرتبطة بالإخوان طورت خلال العقود الماضية نموذجاً مختلفاً للعمل، يقوم على بناء منظومة اقتصادية متكاملة تشمل الشركات والاستثمارات وإدارة الأصول والعقارات، بما يضمن تدفقاً مالياً مستقراً بعيداً عن الضغوط التي تعرضت لها الجمعيات والمؤسسات التقليدية.
وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف الأوروبية من لجوء بعض الكيانات الاقتصادية إلى استخدام أسماء وعلامات تجارية تحمل دلالات خليجية أو إماراتية، في محاولة للاستفادة من الثقة الدولية الكبيرة التي تتمتع بها اقتصادات الخليج وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة التي نجحت خلال العقود الأخيرة في ترسيخ مكانتها كواحدة من أهم المراكز العالمية في المال والأعمال والاستثمار والتجارة الدولية.
ويرى مراقبون أن اختيار أسماء مرتبطة بالبيئة الخليجية أو الإماراتية تحديداً لا يمكن فصله عن المكانة الاقتصادية التي حققتها الإمارات عالمياً، إذ أصبحت أبوظبي ودبي من أكثر المدن جذباً للاستثمارات الدولية، كما ارتبط اسم الإمارات عالمياً بالاستقرار الاقتصادي والشفافية والبيئة الاستثمارية الجاذبة، وهو ما يمنح أي اسم أو علامة تحمل إيحاءات إماراتية قدراً كبيراً من الثقة لدى المستثمرين والشركاء المحتملين.
ومن بين الأمثلة التي أثير حولها الجدل في بعض التقارير الإعلامية الأوروبية شركة تحمل اسم “ياس”، وهو اسم يرتبط في الأذهان مباشرة بجزيرة ياس في أبوظبي، إحدى أبرز الوجهات الاقتصادية والسياحية والاستثمارية في المنطقة.
ويشير باحثون إلى أن استخدام مثل هذه الأسماء يمنح انطباعاً أولياً لدى بعض المتعاملين بوجود صلة بالإمارات أو بالبيئة الاقتصادية الخليجية، رغم أن الواقع قد يكون مختلفاً تماماً.
وتؤكد تقارير أوروبية أن بعض الشبكات المرتبطة بالإسلام السياسي أصبحت أكثر حرصاً على الابتعاد عن الشعارات الأيديولوجية المباشرة أو الخطاب السياسي التقليدي، مقابل التركيز على بناء حضور اقتصادي وتجاري واستثماري طويل الأمد، يسمح لها بتوسيع نفوذها داخل المجتمعات الأوروبية بصورة أكثر هدوءاً وأقل إثارة للانتباه.
وفي قلب هذه النقاشات يبرز اسم إبراهيم الزيات، الذي تصفه تقارير أوروبية عديدة بأنه أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالشبكات الاقتصادية المحسوبة على الإخوان في أوروبا، حيث تناولت دراسات وتقارير متعددة دوره في عدد من المؤسسات والكيانات الاقتصادية والتنظيمية التي ارتبطت تاريخياً بشبكة الإخوان الأوروبية.
كما تشير تقارير إعلامية وبحثية إلى وجود منظومة أوسع من الشخصيات والكيانات التي تعمل عبر قطاعات اقتصادية مختلفة تشمل العقارات والاستثمارات وإدارة الأصول والأنشطة التجارية وهو ما دفع عدداً من الحكومات الأوروبية إلى التعامل مع الملف باعتباره قضية أمن اقتصادي ومجتمعي، وليس مجرد ملف ديني أو أيديولوجي.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تحركات سياسية متزايدة في أوروبا، خصوصاً في فرنسا، حيث تبنت الحكومة الفرنسية خلال السنوات الأخيرة استراتيجية أكثر صرامة تجاه شبكات الإسلام السياسي، تضمنت تشديد الرقابة على مصادر التمويل، وتعزيز أدوات الرقابة المالية والإدارية، ومراجعة آليات عمل المؤسسات التي يشتبه بارتباطها بشبكات عابرة للحدود.
ويرى خبراء أوروبيون أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في وجود شركات أو استثمارات تعمل بصورة قانونية، بل في إمكانية توظيف بعض هذه الكيانات ضمن مشروع نفوذ طويل الأمد يستخدم الاقتصاد والاستثمار كأدوات للتأثير الاجتماعي والثقافي والسياسي داخل المجتمعات الأوروبية.
ولهذا السبب، تشهد القارة الأوروبية تحولاً تدريجياً في طبيعة المواجهة مع شبكات الإسلام السياسي، من التركيز على المساجد والجمعيات والمنظمات التقليدية إلى التركيز على الأموال والاستثمارات والشركات والعقارات، باعتبارها الحلقة الأقل ظهوراً والأكثر تأثيراً في الوقت نفسه.
وبينما تواصل الحكومات الأوروبية تطوير أدواتها القانونية والرقابية لمتابعة هذه الشبكات، يظل استخدام الأسماء والرموز المرتبطة باقتصادات ناجحة وذات سمعة دولية، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة أحد الجوانب التي تستدعي مزيداً من التدقيق، خشية استغلال الثقة العالمية التي بنتها تلك الدول على مدى عقود لخدمة أجندات لا علاقة لها بالمشاريع الاقتصادية الحقيقية التي تمثلها.

