السبت 20/يونيو/2026 – 02:36 م

أضف للمفضلة.

شارك شارك.

في السنوات الأخيرة، بدأ سؤال جديد يتسلل بهدوء إلى حياتنا اليومية؛ سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه يحمل وراءه تحولا اجتماعيا عميقا ومقلقا: ممكن تبعت حسابك؟

قد يطرح هذا السؤال قبل مقابلة عمل، أو قبل شراكة تجارية، أو قبل التعارف الإنساني، أو حتى قبل الدخول إلى بعض الدوائر الاجتماعية والمجتمعات السكنية المغلقة. في البداية يبدو الأمر طبيعيا، لكن كلما تأملت أكثر أدركت أننا لم نعد نطلب الحسابات من أجل التواصل فقط، بل من أجل التقييم والفرز.

أصبح كثير من الناس يريدون رؤية صفحتك قبل أن يروا شخصيتك، ومعرفة عدد متابعيك قبل أن يسمعوا أفكارك، والاطلاع على صورك قبل أن يتعرفوا على أخلاقك؛ وكأننا انتقلنا تدريجيا من السعي للتعرف على الإنسان إلى فحص ميكانيكي لملفه الرقمي.

الميزان القديم والمغريات السهلة.

في زمن ليس ببعيد، كان الإنسان يعرف بأشياء مختلفة تماما؛ كان يعرف بعلمه، وخبرته، وسمعته، وأخلاقه، وأثره الحقيقي بين الناس. كان الطبيب يعرف بنتائج علاجه وبمن استردوا صحتهم على يديه، والمعلم يعرف بأثره في عقول طلابه، والتاجر يعرف بأمانته، والكاتب يعرف بأفكاره. لم يكن أحد يسألهم عن عدد المتابعين، ولم تكن القيمة مرتبطة يوما بعدد الأشخاص الذين يشاهدونهم، بل كانت مرتبطة بما يقدمونه للحياة واقعا وملمسا.

لكن العالم الرقمي غير كثيرا من طرق إدراكنا للأشياء، والأرقام بطبيعتها مغرية لأنها سهلة. عدد المتابعين رقم واضح، وعدد المشاهدات رقم واضح، وعدد الإعجابات رقم واضح يظهر في عداد صامت؛ أما الأخلاق فلا يمكن قياسها بعداد، والخبرة لا تختصر في رقم، والحكمة لا تظهر في إحصائية، والعمق الإنساني لا يخرج في “تريند”. ولهذا بدأت الأرقام تحل محل المعايير الأصعب، لا لأنها أفضل، بل لأنها أسهل.

إنصاف لا بد منه: الأداة ليست مجرمة

ولكي يكون الحديث منصفا وعادلا، فهذه ليست دعوة لمهاجمة وسائل التواصل الاجتماعي أو التقليل من قيمتها وأهميتها، بل على العكس؛ لقد فتحت هذه المنصات أبوابا واسعة للمعرفة والتعليم والعمل والتواصل، وأتاحت لخبراء وأطباء ومعلمين وباحثين ومبدعين الوصول إلى ملايين البشر ونشر علمهم وخبراتهم بصورة لم تكن ممكنة من قبل. وهناك بالفعل آلاف النماذج المضيئة والراقية التي تستخدم هذه المنصات لصناعة أثر حقيقي وقيمة حقيقية.
المشكلة إذن ليست في المنصات كأدوات، بل تبدأ الكارثة عندما تتحول الوسيلة إلى معيار، والأداة إلى ميزان؛ عندما يصبح عدد المتابعين دليلا على الأهمية، وعدد المشاهدات دليلا على النجاح، وعدد الإعجابات بديلا عن القيمة والمكانة. هنا تبدأ المعايير الإنسانية الحقيقية في التراجع خطوة بعد خطوة إلى الخلف.

تفتيش وصناعة “الملف الرقمي”

ولعل أخطر ما حدث في هذا التحول أننا لم نعد نكتفي بتقييم المحتوى المعروض، بل بدأنا نقيم البشر أنفسهم. أصبح الحساب الشخصي في أحيان كثيرة بمثابة ملف فحص اجتماعي وطبقي كامل، ترسله للآخرين فيبدأون القراءة والتفتيش: من تتابع؟ ومن يتابعك؟ مع من تظهر صورك؟ وأي الأماكن تزورها؟ وأي الأفكار تنشرها؟ ومن هم الأشخاص الذين تعرفهم؟

وأحيانا تبنى الأحكام الصارمة، والانطباعات الأولى، والقرارات المصيرية على هذه التفاصيل الرقمية كلها قبل أن يتحدث معك أحد لدقائق قليلة، وقبل أن يمنح الإنسان فرصة واقعية لإثبات نفسه. وكأننا أمام طبقات اجتماعية جديدة لكنها رقمية؛ هذا موثق وهذا غير موثق، هذا يملك الملايين وهذا يملك الآلاف، وكأن الإنسان تحول تدريجيا من كائن حي له قصة وتجربة وخبرة وإنسانية، إلى ملف جامد يخضع للفحص والتصنيف والاستبعاد.

والمفارقة الكبرى هنا أن الحسابات الرقمية لا تعرض الحقيقة كاملة، بل تعرض جزءا صغيرا منها فقط، وأحيانا تعرض نسخة مصممة ومعدلة بعناية شديدة. فكم من شخص يبدو سعيدا ومستقرا على الإنترنت وهو يعيش ألما واضطرابا حقيقيا بعيدا عن الشاشة؟ وكم من شخص يبدو ناجحا ومؤثرا أمام الكاميرا بينما يعاني فشلا وعزلة قاسية في الواقع؟

انقلاب المعادلة: الشهرة بديلا عن القيمة

ولأول مرة في التاريخ تقريبا، أصبح كثير من الناس يبنون صورتهم قبل أن يبنوا أنفسهم. أصبح السؤال اليومي المحرك للكثيرين: “كيف أبدو؟” بدلا من “من أنا؟”، وأصبح الظهور هدفا في حد ذاته، وأصبحت الشهرة حلما يسبق الإنجاز، وأصبحت المشاهدات أمنية تسبق الخبرة. بل إن بعض الشباب بات يحلم بعدد المتابعين والوصول إلى الأضواء قبل أن يحلم بالمهنة نفسها أو يتقن الحرفة؛ يريد أن يكون مشهورا قبل أن يعرف لماذا يجب أن يكون مشهورا أصلا.

المشكلة ليست عندما تصبح القيمة مشهورة، فليس هناك ما يعيب أن يعرف الناس طبيبا ناجحا، أو معلما مؤثرا، أو عالما أفنى عمره في البحث، أو كاتبا قدم فكرا نافعا، أو رجل أعمال بنى مشروعا ووفر فرص عمل لآلاف الأسر. بل على العكس، من الجميل أن يصل أصحاب القيمة إلى الناس، وأن يجد العلم طريقه إلى الجماهير، وأن يكافأ الاجتهاد بالانتشار.
المشكلة تبدأ عندما تنقلب المعادلة؛ عندما تصبح الشهرة هي القيمة، وعندما يصبح الظهور أهم من الإنجاز، وعندما يتحول عدد المشاهدات من نتيجة محتملة للنجاح إلى دليل مزعوم عليه. هنا يبدأ الخلط الكبير، فنرفع أشخاصا لأن الجميع ينظر إليهم لا لأن لديهم ما يستحق النظر، ونمنح الثقة لأن الاسم معروف لا لأن صاحبه جدير بها، ونقيس المكانة بحجم الجمهور لا بحجم العطاء.

وكأننا نسأل: “كم شخصا يعرفك؟” بدلا من أن نسأل: “ماذا قدمت للناس؟”

والحقيقة أن التاريخ لم يخلد أكثر الناس ظهورا، بل أكثرهم أثرا. فكم من أسماء علا صوتها زمنا ثم اختفت بمجرد أن انصرف عنها الضوء؟ وكم من رجال ونساء عاشوا في هدوء، ثم بقي أثرهم حيا لعشرات السنين بعد رحيلهم؟

لأن الفرق كبير بين من يلفت الانتباه ومن يستحق التقدير، وبين من يشغل الشاشات ومن يغير حياة البشر، وبين من يصنع الصورة ومن يصنع الفرق.

مواجهة حية مع الميزان الأخلاقي

لكي ندرك عمق ما نحن فيه، دعونا نتأمل الواقع بلا تجميل: تخيل طبيبا قضى ثلاثين أو أربعين عاما بين غرف العمليات وأقسام الطوارئ والعيادات؛ استيقظ ليلا من أجل مريض لا يعرفه، وسافر ودرس وتعب سنوات طويلة حتى يستطيع إنقاذ حياة إنسان واحد، ثم مرت السنوات فأنقذ آلاف المرضى، وخفف آلام آلاف الأسر، وأعاد الأمل إلى بيوت كانت تنتظر معجزة.

وتخيل محاميا أمضى عمره يدافع عن المظلومين؛ وقف في قاعات المحاكم يحمل ملفات ثقيلة وقضايا معقدة، وأعاد حقوقا لأصحابها، ومنع ظلما كان سيقع على أبرياء، وأسهم في ترسيخ معنى العدالة وسيادة القانون.

وتخيل معلما دخل الفصل الدراسي عشرات الآلاف من المرات؛ وقف أمام أجيال متعاقبة، وعلمهم القراءة والكتابة والفهم والتفكير. وربما نسي كثيرون اسمه، لكنهم لم ينسوا أثره، لأن طبيبا ومهندسا وقاضيا وعالما ورجل أعمال ناجحا كانوا يوما ما طلابا يجلسون أمامه.
ثم تخيل أبا أو أما أفنيا عمرهما في تربية أبناء صالحين؛ لم يطلبا تصفيقا، ولم ينتظرا إعجابا أو مشاركة، لكنهما تركا خلفهما بشرا أفضل مما وجدوا الحياة.

ثم تخيل في المقابل شخصا جمع ملايين المشاهدات في أسابيع قليلة لأنه عرف كيف يجذب الانتباه أكثر من غيره بمحتوى سطحي أو عبثي.

هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن نقف أمامه جميعا بصدق:

هل أصبحت قيمة الثاني أعظم من قيمة الأول؟ وهل أصبحت المشاهدات أعلى وزنا من العلم؟ وهل باتت الشهرة أهم من العدالة؟ وهل صار الانتشار أكبر من التربية؟ وهل أصبح لفت الانتباه أكثر قيمة من إنقاذ حياة إنسان، أو تعليم جيل كامل، أو إعادة حق إلى صاحبه؟
أم أننا وقعنا في خلل عميق وصامت حين بدأنا نخلط بين من يراه الناس ومن يستحق فعلا أن يقدره الناس؟

حين تنطفئ الشاشة.

إن المجتمعات التي تقيس البشر بما يظهر على الشاشات فقط تخاطر بأن تفقد القدرة على رؤية أعظم ما في الإنسان؛ ذلك الجزء الذي لا يمكن تصويره، ولا يمكن نشره، ولا يمكن قياسه بالأرقام.

فكم من قيمة في حياتنا لا تقاس بثمن، ولا بعدد مشاهدات، ولا بزيادة متابعين. ما قيمة الأثر الذي نتركه في قلب إنسان؟ وما قيمة الحب الذي نمنحه بلا مقابل ولا انتظار؟ وما قيمة الرحمة حين نلمس بها روحا متعبة في صمت؟ هذه أشياء لا يعرفها عداد، ولا تظهر في إحصائية، لكنها وحدها ما يبقى حين يرحل كل شيء.

وربما يبقى السؤال الأكثر إلحاحا وعمقا وصدقا، والذي يجب أن يواجه به كل منا روحه الآن: لو اختفت وحذفت جميع حساباتك من الإنترنت اليوم، هل ستبقى قيمتك في الواقع كما هي؟

إذا كانت الإجابة نعم، فالقيمة في داخلك، وأنت حقيقي وثابت في زمن الاهتزاز. أما إذا شعرت بالهشاشة والضياع وتراجع المكانة، فربما حان الوقت لإعادة النظر وتصحيح الميزان المقلوب.

الإنسان أكبر بكثير من صفحته، وأعمق من منشوراته، وأعقد من أن يختزل في مجموعة صور أو مقاطع قصيرة أو أرقام متابعين.

ففي النهاية، قد تمنحك المنصات شهرة، وقد تمنحك الأرقام انتشارا، لكنها لا ولن تستطيع أن تمنحك قيمة حقيقية؛ فالقيمة لا تقاس بعدد الشاشات التي ظهر عليها الإنسان، بل بعدد العقول التي أثر فيها، والأرواح التي لمسها، والحياة التي جعلها أفضل.

لهذا، ربما حان الوقت أن نتوقف قليلا قبل أن نسأل الناس بنبرة آلية: “كم متابعا لديك؟”، وأن نعود لنسأل السؤال الإنساني الحقيقي الذي اختفى وسط زحام الأرقام:
من أنت حقا؟