خلال كلمته في ورشة “النوازل العقدية في الفكر المعاصر وموقف الإسلام منها”، أكد الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن دراسة النوازل العقدية أصبحت من القضايا المحورية التي يفرضها الواقع الفكري المعاصر في ظل التحولات المعرفية والحضارية المتسارعة. أوضح أن العقيدة الإسلامية تمثل الأساس الذي تُبنى عليه شخصية الإنسان، وتنطلق منه منظومة القيم والأخلاق، بما يحقق التوازن بين متطلبات الحياة المادية والروحية، ويرسخ دعائم البناء الحضاري القائم على الحق والخير والعمران.
جاء ذلك خلال كلمته في ورشة «النوازل العقدية في الفكر المعاصر وموقف الإسلام منها»، التي نظمت بالتعاون بين دار الإفتاء المصرية ومركز ومسجد المجادلة بدولة قطر، بمشاركة عدد من الباحثين المهتمين بالدراسات العقدية والفكرية بدار الإفتاء المصرية وأعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر.
وأوضح مفتي الجمهورية أن الحضارات المادية، رغم ما حققته من إنجازات تقنية وعلمية، لم تستطع إشباع الاحتياجات الروحية للإنسان، مما أفسح المجال لانتشار أفكار وسلوكيات تتعارض مع الفطرة السليمة والقيم الدينية. وقد جاءت العقيدة الإسلامية بمنهج متكامل ينظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبمجتمعه، ويؤسس لشخصية متوازنة قادرة على ترسيخ قيم العدل والتكافل والسلام، مما يجعلها صالحة لهداية الإنسان في كل زمان ومكان.
بيَّن مفتي الجمهورية أن العالم يشهد اليوم تحولات غير مسبوقة أعادت تشكيل مصادر المعرفة وأنماط التفكير. أصبحت الشبهات العقدية تنتشر بسرعة عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام الحديثة بعد أن كانت حبيسة المؤلفات المتخصصة. وهذا يفرض على المؤسسات العلمية والدعوية تطوير أدواتها والانتقال من مجرد استدعاء الأجوبة التراثية إلى إعادة تفعيلها في ضوء معطيات العصر وبناء خطاب عقدي قادر على استيعاب الأسئلة الجديدة والإجابة عنها بمنهج علمي يجمع بين قوة البرهان وفقه الواقع.
وأشار إلى أن مفهوم النوازل في التراث الإسلامي ارتبط بالوقائع والمسائل المستجدة التي تستوجب الاجتهاد لاستنباط أحكامها. لكن التحولات الفكرية والمعرفية المعاصرة أفرزت نوعًا جديدًا من النوازل يتعلق بأصول الاعتقاد. يتمثل هذا النوع في القضايا والإشكالات التي مست العقيدة الإسلامية، سواء كانت مستحدثة أو أعيد إنتاجها بفعل تطور الفلسفات والعلوم والثورة الرقمية. وقد تجاوزت هذه النوازل الإطار الأكاديمي لتصبح عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وصناعة الوعي المجتمعي.
النوازل العقدية لم تعد تقتصر على المسائل الكلامية التقليدية
وأضاف أن النوازل العقدية لم تعد تقتصر على المسائل الكلامية التقليدية، بل امتدت لتشمل الإلحاد الجديد واللاأدرية والإنسانوية والنسبية الأخلاقية وما بعد الحداثة والذكاء الاصطناعي والميتافيرس والهندسة الوراثية وفلسفة الوعي والعلاقة بين الدين والعلم وغيرها من القضايا التي تستلزم خطابًا عقديًا معاصرًا يمتلك أدوات معرفية وإعلامية وتقنية قادرة على مخاطبة الإنسان بلغته، مع الحفاظ الكامل على ثوابت العقيدة وأصولها. وأشار إلى أن الاكتفاء باستحضار الأجوبة التي صيغت لمعالجة سياقات تاريخية مختلفة قد يحد من فاعلية الخطاب العقدي إذا لم يقترن بفهم طبيعة الأسئلة الجديدة وخلفياتها الفكرية والفلسفية. موضحًا أن الجواب الصحيح لا يحقق أثره إلا عندما يعالج السؤال الحقيقي ويفكك منطلقاته ثم يقدم التصور الإسلامي بمنهج يجمع بين التأصيل الشرعي وعمق التحليل والإدراك الدقيق للواقع.
استعرض مفتي الجمهورية أبرز المقاصد التي تحققها دراسة النوازل العقدية، وفي مقدمتها حماية الهوية العقدية وتعزيز الأمن الفكري والتأكيد على صلاحية العقيدة الإسلامية والشريعة لكل زمان ومكان وتجديد الخطاب الديني وربط النصوص الشرعية بواقع الناس ومتغيرات العصر. فضلًا عن تحصين المجتمع من الانحرافات الفكرية ومواجهة الشبهات وإبراز محاسن الإسلام وتمكين العلماء من أداء رسالتهم وفق احتياجات المجتمع المتجددة. أكد أن دراسة هذه النوازل تسهم في إعادة بناء الثقة بين الشباب والخطاب الديني؛ لأن الشباب يبحث عن خطاب يفهم واقعه ويستوعب تساؤلاته ويحترم عقله ويخاطبه بلغة العلم والمنطق دون تفريط في الثوابت. مشيرًا إلى أن ازدهار الاجتهاد الشرعي يرتبط بقدرة الأمة على مواجهة التحديات الفكرية بما يعزز أمنها الفكري ويدعم مسيرتها الحضارية ويؤكد قدرة الإسلام على تقديم إجابات راسخة لمختلف القضايا المعاصرة.
وفي سياق حديثه عن الدور المؤسسي في التعامل مع النوازل، شدد فضيلته على أن المرحلة الراهنة تتطلب انتقال المؤسسات العلمية والإفتائية من الجهود الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم من خلال إنشاء مراكز بحثية متخصصة لرصد التحولات الفكرية العالمية ودراسة آثارها العقدية وإعداد معالجات علمية رصينة تستند إلى أصول الشريعة مع الإفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وأدوات التحليل الرقمي في متابعة الاتجاهات الفكرية والشبهات المتداولة عبر الفضاء الإلكتروني مما يعزز سرعة الاستجابة وفاعليتها.
رأى مفتي الجمهورية أن الجمع بين أصالة التراث وحيوية الواقع يمثل المدخل الحقيقي لبناء خطاب ديني قادر على مواكبة العصر. موضحًا أن العالم الرباني هو الذي يستمسك بثوابت الوحي ويستوعب طبيعة المتغيرات التي يعيشها الناس، ويربط بين النصوص الشرعية وواقع الحياة بما يحقق مقاصد الشريعة ويحفظ هوية الأمة ويمكنها من التفاعل الإيجابي مع التطورات الحضارية دون تفريط في الأصول أو انسلاخ عن الثوابت.
شدد مفتي الجمهورية على أن النوازل العقدية لم تعد قضية أكاديمية تقتصر على الباحثين والمتخصصين وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن الفكري واستقرار الأسرة وتماسك الهوية ومستقبل الأجيال. مؤكدًا أن تجديد الخطاب الديني ضرورة حضارية مستمرة وأن دراسة هذه النوازل تمثل أحد أهم مفاتيح هذا التجديد؛ لأنها تجعل الخطاب أكثر قدرة على فهم الواقع والإجابة عن تساؤلات الإنسان المعاصر والمحافظة على ثوابت الإسلام في ظل تسارع المتغيرات.
ودعا إلى إعداد استراتيجية متكاملة لتجديد الخطاب العقدي تقوم على تأهيل الباحثين والدعاة وتوظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لرصد الشبهات وتحليلها وإنتاج محتوى عقدي معاصر يجمع بين رسوخ التأصيل وفقه الواقع وقوة البرهان. كما دعا إلى إعداد موسوعة علمية حديثة للنوازل العقدية تتناول أبرز القضايا المستجدة وتحرر محل النزاع فيها وتعرض مناهج معالجتها في ضوء التراث الإسلامي ومتطلبات العصر.
اختتم كلمته بالدعوة إلى إعداد جيل من الباحثين يمتلك أدوات التعامل مع النوازل العقدية بمنهج يجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والتجريبية بما يعزز القدرة على تقديم خطاب علمي متوازن يواكب تحديات المرحلة سائلًا الله تعالى التوفيق للجميع لخدمة الدين وأن يرزق الأمة العلم النافع والعمل الصالح ويحفظها من الفتن وأن يجعل هذه الجهود خالصة لوجهه الكريم.

