في ظل التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، وما رافقه من تحولات في مواقف القوى الدولية والإقليمية، تكتسب المفاوضات الأمريكية-الإيرانية التي احتضنتها جنيف أهمية استثنائية، ليس فقط لارتباطها بالملف النووي الإيراني، وإنما لأنها تعكس اتجاها جديدا في إدارة الصراع بين واشنطن وطهران، في مرحلة تتشابك فيها الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الاقتصادية والسياسية. وبينما يترقب المجتمع الدولي نتائج هذه الجولة، يعتقد مراقبون أن ما يجري يتجاوز حدود التفاوض التقليدي نحو محاولة لإعادة رسم قواعد التوازن في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يؤكد فوزي أبو ذياب، الباحث السياسي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن أهمية المفاوضات الدولية لا تُقاس عادة بما يُعلن في البيانات الرسمية، وإنما بما تعكسه من تغيرات في موازين القوى وحجم المصالح المتبادلة بين الأطراف. ويرى أن جولة جنيف الأخيرة ليست مجرد لقاء جديد بين خصمين تاريخيين، بل محطة سياسية قد تؤسس لمرحلة مختلفة في إدارة الأزمات الإقليمية، خاصة في ظل تداخل ملفات الأمن والطاقة والبرنامج النووي الإيراني.

ويشير فوزي أبو ذياب إلى أن انعقاد المفاوضات تزامن مع استمرار تبادل الرسائل السياسية والعسكرية في المنطقة، الأمر الذي يعكس أن الحوار لم يلغ أدوات الضغط التقليدية. فبينما كانت الاجتماعات تُعقد داخل القاعات المغلقة في سويسرا، استمرت الرسائل الميدانية في الانتقال بين أكثر من جبهة، من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان، إلى جانب التصريحات المتبادلة بين الإدارة الأمريكية والقيادة الإيرانية، وهو ما يؤكد أن الطرفين يحاولان التفاوض من موقع القوة لا من موقع التراجع.

ويرى فوزي أبو ذياب أن الولايات المتحدة وإيران لا تدخلان هذه الجولة من منطلق الثقة المتبادلة، وإنما بدافع الحاجة إلى تجنب مواجهة واسعة قد تكون كلفتها باهظة على الجميع. فواشنطن تدرك أن أي تصعيد عسكري جديد ستكون له انعكاسات مباشرة على استقرار المنطقة وأمن الطاقة العالمي، في حين تعي طهران أن استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية يحد من قدرتها على مواصلة سياسة الاستنزاف المفتوح، ما يجعل التفاوض خيارا ضروريا للطرفين، حتى وإن ظل محكوما بحسابات معقدة.

ويؤكد فوزي أبو ذياب أن ما خرجت به اجتماعات جنيف لا يمكن اعتباره اتفاقا نهائيا أو اختراقا تاريخيا، بل يمثل خطوة أولى لتنظيم العملية التفاوضية نفسها. فالاتفاق على تشكيل لجنة سياسية عليا وإنشاء مجموعات عمل متخصصة لمتابعة الملفات النووية والعقوبات والقضايا الإقليمية يعكس نجاح الطرفين في وضع إطار لإدارة الخلافات قبل الانتقال إلى معالجة مضمونها، وهي مرحلة غالباً ما تكون الأكثر تعقيداً في المفاوضات الدولية الكبرى.

ويضيف فوزي أبو ذياب أن الاتفاق على آليات الحوار يحمل في حد ذاته دلالة سياسية مهمة، لأن التجارب السابقة أثبتت أن التفاهم على قواعد التفاوض قد يكون أكثر صعوبة من الاتفاق على بعض البنود الفنية. ومن هذا المنطلق، فإن جنيف نجحت في تحقيق تقدم تنظيمي يفتح الباب أمام استمرار التواصل، لكنها لم تقترب بعد من تسوية القضايا الجوهرية التي ما تزال موضع خلاف، وفي مقدمتها مستقبل البرنامج النووي الإيراني.

ويعتبر فوزي أبو ذياب أن الملف النووي سيبقى العقدة الأساسية في أي مفاوضات مقبلة، لأن الإدارة الأمريكية تتمسك بضمانات تحول دون امتلاك إيران قدرة سريعة على إنتاج السلاح النووي، بينما تصر طهران على حقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم باعتباره حقاً سيادياً لا يمكن التراجع عنه. وبين هذين الموقفين تتحرك جميع تفاصيل التفاوض بما يشمل مستويات التخصيب وآليات الرقابة الدولية وطبيعة الضمانات المطلوبة مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية.

ويلفت فوزي أبو ذياب إلى أن مفاوضات جنيف تختلف جذريا عن تلك التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015، لأن البيئة الإقليمية شهدت تغيرات عميقة خلال السنوات الأخيرة. فلم يعد النقاش محصوراً في الملف النووي بل أصبح مرتبطاً بمجموعة واسعة من الملفات الأمنية والسياسية، وهو ما يجعل أي اتفاق مستقبلي أكثر تعقيدا ولكنه في الوقت نفسه أكثر شمولا إذا ما كُتب له النجاح.

ويؤكد فوزي أبو ذياب أن إيران تدخل هذه المفاوضات وهي ترى أنها حافظت على أوراق قوة إقليمية مهمة رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تعرضت لها، الأمر الذي يمنحها من وجهة نظرها قدرة على التفاوض من موقع الندية وليس من موقع الإملاءات. ويضيف أن طهران تعتبر استمرار نفوذها الإقليمي وعلاقاتها مع حلفائها وفي مقدمتهم حزب الله جزءاً من منظومة الردع التي أسهمت في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، وهو ما يجعل هذه الملفات حاضرة بصورة غير مباشرة في أي حوار يتعلق بالأمن الإقليمي ومستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.