دعاء، أسماء ومريم نماذج ملهمة للكفاح من أجل “لقمة العيش”.

سماح تفتخر: “النصبة” جعلت ابني طالبًا في الجامعة 

التحرش والإشغالات ونظرة المجتمع “ثالوث” ظالم يواجههن

في شوارع القاهرة وعلى الطرق السريعة التي تمتد بلا نهاية، وتحت حرارة الشمس القاسية، تعبرك رائحة فريدة مزجت بين عبق النعناع ونفحات القهوة التي تنعش الروح، تقف خلف تلك الرائحة نساء يحترفن تحويل “كوب شاي بسيط أو قهوة” إلى رمز لقصة كفاح يومية تدعو للتأمل والإلهام، فتيات الشاي لسن مجرد نساء يبعن مشروبات دافئة، بل هن نساء اقتحمن مصاعب الحياة بشجاعة، متحديات كل الصعاب ليوفرن حياة كريمة لأسرهن، ويستمررن في رحلة طويلة من المثابرة والكفاح. 

وإذا كانت هدير فتاة طريق الواحات قد راحت ضحية تهور طفلين، وهي تسعى وراء لقمة العيش، فهناك أخريات ينتظرهن المصير نفسه، فهن “فتيات الخطر” اللائي يضعن أرواحهن كل يوم على عربات الشاي لإطعام أفواه جائعة أصبحت بين ليلة وضحاها في ذمة فتاة صغيرة أو سيدة لا تملك من أمرها شيئا.

فمع بزوغ أول خيوط النهار، تبدأ فتيات الشاي ترتيب أدواتهن البسيطة، وتجهز كل سيدة “عدتها” بعناية فائقة، هنا مواقد صغيرة تنبعث منه حرارة كافية لتغلي الأباريق المعدنية اللامعة المخصصة لتحضير الشاي، وهناك أكواب زجاجية مرصوصة بدقة على طاولات خشبية صغيرة وصندوق صغير يحتوي على السكر والشاي والقهوة والنعناع.

وفي كل مرة قبل أن تنطلق بائعات الشاي إلى الشارع لطلب الرزق تعد عائلتها بتلبية كل الطلبات من طعام وملابس رغم علمهن أن مقابل أكواب الشاي والقهوة لن يكفي لتحقيق ذلك، ولكنهن يملكن اﻷمل والتحدي، وحين تنسحب أشعة الشمس معلنة انتهاء اليوم، تجمع أدواتهن البسيطة ويلملمن حكاياتهن المتناثرة على الأرصفة، قد يكون حصاد يومهن المادي متواضعاً، لكنه يكفي ليزرع في نفوسهن شعوراً بالرضا والاستعداد لمواجهة غد جديد. 

هدير ضحية لقمة العيش.

هدير ضحية لقمة العيش.

في منطقة حدائق الأهرام بالجيزة، حيث تزدحم السيارات وتتسارع وتيرة المارة، كان هناك زاوية صغيرة تنبعث منها رائحة القهوة والنعناع خلف هذا الركن، كانت تقف هدير، لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، تقاوم بعزم وشجاعة قسوة الحياة بيديها الفتية، قبل أن تتحول هذه المقاومة إلى قصة مأساوية أوجعت قلوب المصريين.

لم تكن هدير تبحث عن حياة مترفة، بل كانت مثالاً صارخاً لروح الكفاح من أجل البقاء، فتاة صنعت من “نصبة شاي” صغيرة أداة لكسب عيش حلال تعول به عائلتها، متحدية نظرات المجتمع وصعوبة العمل في الشارع، لكن الموت كان لها بالمرصاد، في المكان الذي اعتبرته ملاذا آمنا “الرصيف”.

هدير الملقبة بـ”فتاة الشاي” عُرفت بهدوئها العذب وابتسامتها الخفية، اعتادت أن تقف طويلا لتحضر أكواب الشاي للزبائن من سائقين ومارة وعمال في المنطقة، لم تكن تشكو أو تمد يدها طلباً للعون، بل كرست عزة نفسها للوقوف أمام تقلبات الحياة، سواء في صيف حار أو شتاء قارس، لتؤمن مصدر رزق لعائلتها، ولكن في ذلك الصباح المشئوم تغير كل شيء، عندما كانت هدير منهمكة في ترتيب الطلبات، اجتاحت سيارة طائشة الرصيف بسرعة جنونية، تقودها مُراهقة استهترت بكل قواعد الأمان، وتحول المشهد في لحظة خاطفة، إلى ساحة مُدمرة وتناثرت الأكواب، وانقلبت مياه الغلايات الساخنة على الأرض، وسحقت السيارة كل شيء في طريقها، بما في ذلك جسد هدير المُرهق النحيل. 

قصة هدير هزت قلوب المصريين وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مراسم عزاء مفتوح، ولكن هذه الواقعة سلطت الضوء على فئة من المجتمع لم يلقِ إليها الكثيرون بالا، فتيات يعرضن أرواحهن للخطر كل يوم من أجل لقمة العيش. حاولنا الاقتراب من تلك الفئة، فوجدنا الكثير من قصص الباحثات عن الرزق الحلال، قصص تكشف عن معاناة يومية لبائعات الشاي على الأرصفة.

فهذا العمل فرض عليهن مواجهة التحديات التي لا تنتهي ورغم كل تلك التحديات، تظل بائعات الشاي رمزا لكرامة نساء فضلن الكفاح وحفظ ماء الوجه على أن يكن عبئا على أحد.

 

كفاح لا ينتهي .

كل واحدة منهن تعرفن زوايا رزقها جيدا، فمنهن من تستقر تحت أحد جسور مدينة نصر، وأخريات يجدن مكانهن في مناطق وسط البلد، أو قرب مواقف السيارات في الجيزة، حيث تتحول هذه المساحات الصغيرة إلى عالمهن الخاص الذي تديره بإبداع، ومنهن من يعملن على طريق الفيوم أو طريق الواحات، فهن موجودات في كل شبر من أرض مصر، ووراء كل واحدة منهن تختبئ قصة كفاح عنوانها العزيمة والصبر، وبرغم اختلاف التفاصيل، إلا أن القواسم المشتركة تكمن في روح المثابرة والتحدي. 

دعاء: أسرتي أهم 

دعاء 25 عاماً فتاة ذات ملامح هادئة تضع نظارة طبية، تلفت الانتباه بسمتها الهادئ وهي تقف في منطقة مصر الجديدة تبيع الشاي والقهوة، ليست فتاة أمية، بل هي خريجة كلية الآداب قسم اجتماع، بعد تخرجها بحثت عن عمل لسنوات دون جدوى، ولكن بعد وفاة والدها الذي ترك خلفه ديونا ثقيلة بسبب مصاريف علاجه من السرطان، لم تجد أمامها بدا إلا العمل في هذه المهنة خاصة أن الأسرة وجدت نفسها مهددة بالطرد من الشقة الإيجار القديم.

 اتخذت دعاء قرارا أنقذ عائلتها وصدم صديقاتها، لأنها كانت حاصلة على أعلى تقدير في الجامعة ظنا منهن أنها ستبحث عن وظيفة تستحق نجاحها، ولكن دعاء لم يكن لديها الوقت لتنتظر الوظيفة، خرجت إلى الشارع بـ”نصبة شاي” بسيطة عبارة عن سبرتاية وكنكة قهوة وبعض من الأكواب وغلاية مياه والقليل من الشاي والبن والسكر، في البداية تعرضت لمضايقات وتنمر لكن شخصيتها القوية وثقافتها فرضت احترامها على الجميع.

 

وبعد فترة استطاعت دعاء أن تحول زاويتها الصغيرة إلى مقهي متواضع به عدد من الكراسي، وطورت عدة الشاي واصبحت تمتلك كشكا صغيرا يحتوي على جميع انواع المشروبات الساخنة والباردة، وأصبحت بائعة الشاي الأشهر في المنطقة، يقصدها سائقو الميكروباصات والعمال والطلبة وقالت: “الشهادة الجامعية علمتني إزاي أفهم المجتمع، والشارع علمني إزاي أعيش فيه، الشغل مش عيب، العيب إن الدين يكسر ضهر أمي وأنا قاعدة مستنية وظيفة مكتبية”.

وأكدت دعاء بابتسامة تضيء وجهها الصغير أن والدتها تفتخر بها وتتحدث عن قصة نجاحها في كل مكان، وهو أمر شد من عزيمتها ودفعها لتواصل رحلتها رغم الصعوبات لتوفر لقمة العيش ومصاريف أشقائها الصغار.

دعاء مثل غيرها كثيرات تخشى أن يكون مصيرها مثل مصير هدير بسبب عربة طائشة لا يعرف قائدها عن معاناة هؤلاء شيئا، إلا أنها تقول: الأعمار بيد الله لكن غلبة الدين وقهر أسرتها أسوأ من الموت، وأضافت: “حياة أهلي ومستقبل إخوتي أهم من كل المخاطر”.

 

أسماء: حلم يتحقق

أسماء فتاة عشرينية جميلة لطيفة الملامح، من أسرة ميسورة الحال، قررت بجانب دراستها في الجامعة أن تمارس تجارتها الخاصة التي طالما حلمت بها دون تدخل أسرتها، لتثبت من خلالها أنها قادرة على النجاح في الحياة وإعالة نفسها في ذات الوقت، وأصبحت مثلا يحتذي به كل رفاقها، بعدما ادخرت أموالها واشترت مقهى صغيرا متنقلا، عبارة عن سيارة صغيرة وضعت في مؤخرتها عدة الشاي والقهوة، رائحة قهوتها تجذب المارة في شوارع الجيزة.

قالت أسماء إنها ترغب في أن تكون صاحبة تجارة خاصة وهو حلم طالما سعت لتحقيقه منذ أن كانت طفلة، مؤكدة أنها تساعد نفسها من خلال عائد بيع الشاي، ﻻفتة إلى أنها تواجه الكثير من المشاكل مع بعض المشاغبين والمتحرشين ممن يعتقدون أنها فتاة ضعيفة ولكنها استطاعت بقوتها وعزيمتها تخطي ذلك.

وأكدت أسماء أنها أصبحت معروفة في منطقتها بأفضل بائعة شاي وقهوة، بل وأصبح الكثير من روادها مصدر أمان وحماية لها ضد كل المضايقات.

مريم: فتاة السبرتاية

في أحد الشوارع الجانبية الضيقة بحي “شبرا”  بدأت مريم ذات الـ 18 عاما تجارتها خلف طاولة خشبية متهالكة، تبدو ملامحها أكبر من سنها الحقيقي بسبب حرارة الموقد وشمس الصيف، وتحكي مريم قصتها قائلة: قبل سبع سنوات، أُصيب والدي، عامل اليومية، بشلل نصفي إثر سقوطه من بناية، ووجدت نفسي فجأة مسئولة عن أم وثلاثة أشقاء أطفال وأب قعيد، بلا أي دخل شهري.

لم تكن مريم تملك رأس مال، فاستعارت “سبرتاية” نحاسية قديمة من جارتها، واشترت الشاي والسكر بالآجل، وكانت تبكي ليلاً من الخوف والخجل، وتقف نهاراً بصلابة الرجال تحضر الشاي لسائقي الميكروباص والمارة.

كانت مريم توفر مصاريف تعليمها ونفقة والديها واشقائها الثلاثة، وبعد الصبر والعمل الشاق تحت نار الصيف تمكنت من النجاة وإعالة أسرتها وإنقاذ حياتها من القهر. 

سماح اﻷرملة المكافحة .

على جانب آخر لم تكن “نصبة الشاي” ملاذا للشابات فقط، بل هي كذلك أيضا للسيدات اللائي وجدن أنفسهن في مواجهة الحياة بمفردهن، سيدات في العقد الخامس والسادس من العمر أصبحن فجأة هن المعيلات لأسرهن، ولم يجدن أمامهن سوى هذا العمل لإنقاذ الأسرة، من هؤلاء سماح محمد 50 عاما، من مدينة نصر، فقدت زوجها وتولت وحدها مسئولية تربية ثلاثة أطفال، تقول بابتسامة مليئة بالعزيمة: “الشغل مش عيب، وربنا دايما كريم مع اللي بيسعى” مشيرة إلى ان كوب الشاي الذي تبيعه هو السبب في أن ابنها الأكبر يدرس بالجامعة الآن. 

وأوضحت سماح، أنها بدأت مشروعها “بنصبة” صغيرة في إحدى زوايا شوارع مدينة نصر بشارع مكرم عبيد، حيث كانت تضع أدواتها من شاي وقهوة وسكر، ثم تمكنت بعد ذلك من شراء سيارة متواضعة تضع في مؤخرتها أدواتها التي طورتها بعدما رزقها الله من بيع الشاي.

وأكدت بوجه مبتسم يجتاحه اﻹرهاق، أنها ﻻ تشعر بأي خجل من مهنتها بل تشعر بالسعادة، ويفتخر بها أبناؤها أمام اصدقائهم، ﻻفتة إلى أنها تسعى لتطوير تجارتها وتدخر المال لشراء محل بسيط وتأمل انها ذات يوم ستكون مالكة مقهى.

الحاجة فاطمة رحلة شقاء للرزق الحلال.

الحاجة فاطمة 60 عاماً من الشقاء والوحدة، تمتلك كشكا صغيرا صنعته من اﻷخشاب المتهالكة في إحدى زوايا منطقة السيدة زينب منذ أكثر من عقد من الزمن، حتى إنها أصبحت أشبه بالأم الروحية لسائقي الميكروباصات والمارة الذين يقصدونها.

بملامح اجهدها الزمن وبشرة لونتها الشمس من الابيض الى الذهبي وعيون خضراء حنون قالت: “الرصيف جمعني بناس أحبوني بصدق، بعضهم يأتي فقط ليسمع كلمة طيبة أو يشاركني الهموم”.

 

واشتكت الحاجة فاطمة وقطرات العرق تتصبب من جبينها، من الحملات المفاجئة لإزالة الإشغالات التي تهدد مصدر رزقها وتجبرها على البدء من جديد، مشيرة إلى أنها أحد أهم المصاعب اليومية التي تواجهها بائعات الشاي والقهوة.

وبملامح حزينة أوضحت أنها أرملة وليس لديها أبناء، و”نصبة” الشاي المتواضعة هي كل ما تملكه، وعندما يحين موعد الصلاة تتركه أمانة لدى رفاق الرصيف بالمنطقة، حتى عودتها من الصلاة في مسجد السيدة زينب، مؤكدة أنها سعيدة بالرزق الحلال حتى ولو قليلا.