أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا جديدًا حول “تكنولوجيا تخزين الطاقة المتجددة”، مستعرضًا أبرز التحديات التي تواجه دمج مصادر الطاقة المتجددة في أنظمة الطاقة التقليدية، وأهمية تكنولوجيا التخزين في دعم التحول نحو أنظمة طاقة مستدامة ومرنة. كما تناول التحليل أهم أنظمة تخزين الطاقة والآفاق المستقبلية المرتبطة بها.

وأوضح التحليل أن عملية دمج مصادر الطاقة المتجددة في أنظمة الطاقة التقليدية تواجه تحديات جوهرية ترتبط بالطبيعة المتقطعة واللامركزية لهذه المصادر. فإنتاج الطاقة من الشمس والرياح يعتمد على عوامل بيئية غير مستقرة مثل الظروف الجوية ودورات الليل والنهار، مما يؤدي إلى تقلبات مستمرة في الإنتاج. وينتج عن ذلك اختلال واضح بين العرض والطلب على الطاقة؛ حيث قد تحدث فترات فائض في الإنتاج يقابلها فترات عجز تتطلب الاعتماد على مصادر تقليدية، مما يضع ضغوطًا كبيرة على مشغلي الشبكات لضمان استقرار النظام الكهربائي.

ومن أبرز التحديات أيضًا صعوبة الحفاظ على استقرار الشبكة الكهربائية عند زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة. فهذه المصادر، بخلاف محطات التوليد التقليدية، لا توفر إنتاجًا ثابتًا وقابلًا للتحكم، مما يؤدي إلى اضطرابات في التردد والجهد وجودة الطاقة. وهذا التذبذب يزيد من احتمالية حدوث عدم استقرار أو انقطاعات في الشبكة، ويجعل إدارة النظام الكهربائي أكثر تعقيدًا خاصة مع ارتفاع نسب إدخال الطاقة المتجددة إلى الشبكة.

كما يمثل عدم التوافق الزمني بين إنتاج الطاقة واستهلاكها تحديًا رئيسيًا؛ إذ لا يتزامن توليد الطاقة المتجددة مع الطلب الفعلي عليها، مما يؤدي إلى فقدان جزء من الطاقة المنتجة أو الحاجة إلى مصادر دعم إضافية في أوقات الذروة. وبالتالي، تصبح الحاجة ملحة إلى حلول قادرة على تخزين الطاقة وإعادة توزيعها عبر الزمن لضمان استمرارية الإمداد وتحسين كفاءة استخدام الموارد المتاحة.

علاوة على ذلك، يواجه قطاع الطاقة تحديات تتعلق بتعقيد التكامل بين التقنيات المختلفة، خاصة عند دمج أنظمة تخزين الطاقة مع الشبكات الذكية والأنظمة الهجينة ومحطات الطاقة الافتراضية. ويتطلب هذا التكامل تنسيقًا عالي المستوى بين مصادر الطاقة اللامركزية وأنظمة التحكم، بالإضافة إلى الحاجة لمواءمة الأطر التقنية والاقتصادية والسياسية والبيئية، مما يزيد من تعقيد عملية التحول نحو أنظمة طاقة أكثر استدامة.

أوضح التحليل أيضًا أن هناك تحديات مرتبطة بالتوسع في تطبيق أنظمة تخزين الطاقة على نطاق واسع؛ حيث يتطلب ذلك تطوير حلول قابلة للتوسع وذات كفاءة عالية مع تقليل الاعتماد على محطات التوليد التقليدية في أوقات الذروة. ورغم أن أنظمة التخزين تقدم خدمات مهمة مثل تنظيم التردد ودعم الجهد وتحسين استقرار الشبكة، فإن تحقيق انتشار واسع لها يتطلب استمرار البحث والتطوير في تقنيات التخزين وتحسين أدائها.

بالإضافة إلى ذلك، توجد تحديات عالمية تتعلق بعدم التوازن في البحث والتطوير؛ حيث تتركز معظم الجهود في دول معينة بينما تعاني مناطق أخرى مثل أفريقيا وأمريكا الجنوبية من ضعف المشاركة البحثية. وهذا يشير إلى حاجة واضحة لتعزيز التعاون الدولي وتطوير البنية البحثية في المناطق الأقل تمثيلًا لضمان تحقيق تقدم شامل وعادل في مجال أنظمة تخزين الطاقة.

ذكر التحليل أن التوجهات المستقبلية في مجال تخزين الطاقة تركز على تطوير تقنيات عالية الكفاءة من حيث التكلفة وكثافة الطاقة، مع اهتمام متزايد بتقنيات الجيل الجديد مثل البطاريات الصلبة وبطاريات الليثيوم-كبريت وبطاريات الصوديوم-أيون بالإضافة إلى أنظمة تخزين الهيدروجين باعتبارها خيارًا واعدًا للتخزين طويل الأمد.

كما يتجه البحث العلمي نحو تعزيز تكامل أنظمة التخزين ضمن الأنظمة الهجينة للطاقة بهدف رفع مرونة الشبكات الكهربائية وتحسين قدرتها على استيعاب مصادر الطاقة المتجددة خصوصًا في المناطق ذات الاعتماد الكبير على هذه المصادر أو التي تعاني من عدم استقرار الشبكات. وفي هذا السياق يجري العمل على تطوير بنى تحتية مرنة وقابلة للتوسع بما يسمح بتطبيق هذه التقنيات في بيئات مختلفة مثل الشبكات الذكية الحضرية والمناطق النائية ومحطات الطاقة المتجددة واسعة النطاق.

ومن ناحية أخرى يركز التطوير التقني على ابتكار مواد متقدمة لتحسين الكفاءة التشغيلية وإطالة عمر البطاريات وتعزيز مستويات الأمان والعمل على دمج الذكاء الاصطناعي وأنظمة إدارة الطاقة الذكية في تشغيل حلول التخزين بهدف تحسين الأداء الفوري ورفع كفاءة التشغيل ودعم الاستدامة على المدى الطويل. بالإضافة إلى تزايد الاهتمام بالتحليلات الشاملة لفهم الأثر البيئي والاقتصادي للتقنيات الناشئة. ومن المتوقع أن تؤدي البطاريات دورًا محوريًّا في دعم التحول نحو أنظمة طاقة آمنة ومستدامة باعتبارها عنصرًا أساسيًا لتحقيق الالتزامات التي تبنتها ما يقرب من 200 دولة خلال مؤتمر COP28 عام 2023 والتي تستهدف تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري والعمل على مضاعفة سعة الطاقة المتجددة عالميًّا ثلاث مرات ومضاعفة كفاءة الطاقة بحلول عام 2030.

أكد التحليل أنه لتسريع نشر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يجب زيادة سعة تخزين الطاقة عالميًّا لستة أضعافها لتصل إلى 1500 جيجاوات بحلول عام 2030 حيث تمثل البطاريات نحو 90% من هذه الزيادة ضمن سيناريو صافي الانبعاثات الصفرية بحلول 2050 مع نمو قدراتها 14 ضعفًا إلى 1200 جيجاوات. ويشمل ذلك التخزين بتقنيات مثل الضخ المائي والهواء المضغوط والعجلات الدوارة والتخزين الحراري. كما تشير التقديرات إلى أن الإيرادات العالمية لقطاع تخزين الطاقة المرتبط بدمج مصادر الطاقات المتجددة ستتجاوز 23 مليار دولار عام 2026 مع توقع تضاعف احتياجات التخزين إلى ثلاثة أضعاف مستوياتها الحالية بحلول عام 2030. وقد حققت الطاقات الشمسية في العديد من مناطق العالم ما يُعرف بتكافؤ الشبكة مما ألغى الحاجة للحوافز السياسية لدعم انتشارها في عدد كبير من الأسواق.

وعلى الصعيد المصري وفي إطار دعم استراتيجية مصر لتعزيز دمج الطاقات المتجددة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري فقد وقَّعت الشركة المصرية لنقل الكهرباء اتفاقًا مع شركة “أميا باور” الإماراتية لتطوير محطتين مستقلتين لتخزين الطاقات بالبطاريات بإجمالي سعة 1500 ميجاوات/ساعة. وبموجب الاتفاق سيتم إنشاء محطة بقدرة 500 ميجاوات/ساعة في الزعفرانة وأخرى بقدرة 1000 ميجاوات/ساعة في بنبان بالإضافة إلى إنشاء محطات محولات وربطها بالشبكة القومية لضمان كفاءة دمج الطاقات المخزنة. وتم اختيار مواقع المشروع بالتنسيق بين هيئة تنمية الطاقات الجديدة والمتجددة والشركة المصرية لنقل الكهرباء بما يتوافق مع توجه الدولة نحو التوسع بمشروعات الطاقات المتجددة وخفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الموارد وذلك ضمن “رؤية مصر 2030” واستراتيجية الطاقات لعام 2040 التي تستهدف رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 42% بحلول عام 2030 و65% بحلول عام 2040 بما يعزز مكانة مصر في مجال الطاقات المستدامة.

ختامًا أوضح التحليل أن نظم تخزين الطاقات تمثل عنصرًا محوريًّا في تطوير منظومات الطاقات الحديثة نظرًاللدورها الفعال في تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك ودعم دمج مصادر الطاقات المتجددة وتعزيز كفاءة واستقرار الشبكات الكهربائية. ورغم التحديات التقنية والاقتصادية التي تواجه هذه الأنظمة فإن التطور المستمر فيها يفتح آفاقا واسعة لتحسين أدائها بما يسهم بشكل كبير نحو نظام طاقة أكثر استدامة ومرونة مستقبلاً.