تمتلك الدولة أصولًا ضخمة لا تقاس قيمتها بموقعها الجغرافي، بل بما يمكن أن تضيفه للاقتصاد إذا تم استغلالها بشكل جيد. ورغم بقاء بعض هذه الأصول خارج دائرة الإنتاج لسنوات طويلة، يطرح مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة رؤية جديدة تهدف إلى تحويل الأصول غير المستغلة إلى مشروعات إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، وتحقيق عائد اقتصادي مستدام.
يتضمن مشروع القانون آلية تتيح نقل بعض أصول الدولة غير المستغلة إلى جهاز مستقبل مصر، ليقوم بإعادة تخطيطها وتطويرها واستثمارها وفق دراسات اقتصادية وفنية متخصصة، مما يضمن تحقيق أعلى عائد ممكن من كل أصل. كما يتم توجيه العوائد الناتجة لتمويل مشروعات تنموية جديدة تدعم الاقتصاد الوطني وتخفف الأعباء عن الموازنة العامة للدولة.
تستند هذه الفلسفة إلى إعادة اكتشاف القيمة الاقتصادية للأراضي والأصول بدلاً من استغلالها بالطريقة التقليدية. حيث يخضع كل أصل لدراسة تحدد أفضل استخدام له والأنشطة القادرة على تحقيق أعلى قيمة مضافة، بالإضافة إلى تحديد المدة الزمنية المناسبة لتعظيم العائد منه بالاستعانة ببيوت خبرة ومؤسسات متخصصة في إدارة الأصول والاستثمارات.
الدلتا الجديدة… عندما تحولت الصحراء إلى قيمة اقتصادية.
تجسد الدلتا الجديدة هذه الفلسفة عمليًا، فالمشروع لم يبدأ من فكرة استصلاح الصحراء، بل من إعادة تقييم ودراسة الصحراء الغربية كأصل اقتصادي يمتلك مقومات إنتاج ضخمة يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة إذا توافرت الرؤية والاستثمار والبنية الأساسية.
لم تقتصر التنمية على استصلاح الأراضي الزراعية فقط، بل امتدت لتشمل استغلال كل مساحة داخل المشروع وفق طبيعتها الاقتصادية. فقد تم استصلاح أضخم رقعة زراعية في تاريخ مصر بلغت 2.2 مليون فدان، وإنشاء مدينة مستقبل مصر الصناعية التي تضم العديد من الصناعات الغذائية عالية القيمة لتلبية احتياجات السوق المحلي وتصدير الفائض للخارج. كما تم إنشاء مركز سفنكس لتداول المحاصيل، الذي يعد أكبر سوق لتداول وتخزين المحاصيل والسلع ويضم بورصة سلعية. بجانب ذلك، يحتوي المشروع على أكبر مجمع صوامع في الشرق الأوسط بطاقة تخزينية تصل إلى 500 ألف طن، بالإضافة إلى مخازن استراتيجية وثلاجات تبريد ومزارع للإنتاج الحيواني، لتعمل جميعها ضمن منظومة متكاملة تحقق أعلى استفادة ممكنة من الأرض.
عائد اقتصادي وتنمية مستدامة.
انعكست هذه الرؤية على الاقتصاد في عدة مجالات؛ فقد ساهم المشروع في زيادة الرقعة الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي ورفع الطاقة التخزينية وتوسيع الصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد. كما أدى المشروع إلى توفير آلاف فرص العمل وزيادة القدرة التصديرية وتحويل مساحات كانت خارج النشاط الاقتصادي إلى أصول منتجة تدر عائدًا مستدامًا.
العائد الاقتصادي لهذا النموذج لا يُقاس بعدد الأفدنة المستصلحة أو حجم الإنتاج فقط، بل بما يخلقه من دورة اقتصادية متكاملة؛ فكل مشروع جديد يضيف نشاطًا إنتاجيًا ويولد فرصًا للتصنيع والخدمات اللوجستية والتخزين والتصدير مما يعزز القيمة المضافة للأصل ويعظم العائد منه. بهذه الفلسفة تتحول الأصول غير المستغلة إلى مراكز إنتاج واستثمار وتتحول عوائدها إلى مصدر تمويل لمشروعات تنموية جديدة تدعم النمو الاقتصادي وتعزز مساهمة القطاع الحقيقي في الناتج المحلي وتزيد قدرة الدولة على تنفيذ خططها التنموية بكفاءة واستدامة.
يقدم هذا النموذج صورة عملية للفلسفة التي يتبناها مشروع القانون القائمة على تعظيم الاستفادة من أصول الدولة غير المستغلة وتحويلها إلى مشروعات إنتاجية تسهم في تمويل التنمية وتعزز قدرة الاقتصاد على تحقيق النمو عبر الاستثمار والإنتاج وليس فقط الاعتماد على الموارد التقليدية.

