منذ القرن الماضي، كان المبدع العربي يقف أمام الشاشة، يشاهد نفسه في حكايات لم يكتبها، ويستمع إلى صوت لا يشبه نبرته، بينما يرى حضاراته وتقاليده من منظور “الغريب”، سواء كان كاتبًا أو مخرجًا، يرسم ثقافته بريشة لا تعرف ألوان بيئته. لم تكن السينما حينها مجرد تسلية لملء وقت الفراغ، بل كانت معولًا رئيسيًا لصناعة وعي غربي صامت. كما تناول ذلك المفكر إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” الذي أكد فيه أن الإعلام الغربي لطالما قدّم العرب بصورة “مشوهة” مقابل صورة الشخص العقلاني والمتحضر للشخصية الغربية. ولم تقتصر الاستراتيجية الغربية على ذلك فحسب، بل جاءت بشكل ممنهج مستهدفًا الهوية العربية كما جاء في بحث جاك شاهين بعد تحليله لتسعمئة فيلم هوليودي. كانت الحملات الأكثر جدلًا مثل فيلم True Lies الذي تم إنتاجه في 1994م، والذي ربط بين الثوب العربي والدين والعنف لرسم صورة نمطية غير مباشرة. وهذا ما يسميه الباحثون “تأثير الغرس”، وهو وهم خطير يمرر الخيال السينمائي إلى حقيقة ترسخ في عقول الملايين دون محاولة التفكير.

اليوم، وبعد الإعلان عن “جامعة الرياض للفنون” تحت إشراف وزارة الثقافة التي قدمت وما زالت تقدم عبر هيئاتها الضخمة أرقامًا قياسية في المشاريع الثقافية لتدريب شباب الوطن وصقل مهاراتهم وتمكينهم من خلال دعمها المستمر، نشهد حراكًا فنيًا وثقافيًا واضحًا نلمسه يوميًا في شتى أنماط حياتنا اليومية. وقد أعلنت الوزارة عن 13 كلية متخصصة تشمل الموسيقى والأفلام والمسرح والإنتاج الإعلامي والإدارة الثقافية وغيرها الكثير من التخصصات والدرجات العلمية بدءًا من الدبلوم وصولاً إلى الدكتوراه. تأتي هذه الخطوات ضمن مؤسسة تعليمية تتماشى مع التقنيات المتقدمة، مما يجعلنا نتطلع إلى شروق إعلام وفن سعودي يعكس تقاليدنا وقصصنا الأصيلة ويترجم هويتنا السعودية التي تُعتبر قاعدة ثقافية للكثير من الثقافات والآداب حول العالم.

لم تقتصر النهضة الثقافية والفنية في المملكة على نطاق ضيق؛ فمنذ إعلان رؤية 2030 والعمل يمضي وفق خطط استراتيجية وأولويات محددة لضمان تحقيق مستهدفاتنا الوطنية في هذا القطاع الحيوي. وفي هذا السياق نستذكر شواهد مختارة لا للحصر بل للإشارة إلى الفيض من المشاريع التي تعكس طموحاتنا نحو مجتمع نابض بالحياة واقتصاد مزدهر. بدءًا من المجمع الملكي للفنون في مؤسسة حديقة الملك سلمان الذي يعد أحد أكبر المجمعات الفنية عالميًا، وصولاً إلى ميثاق الدرعية الذي يدمج التراث العمراني النجدي بالفنون التشكيلية المعاصرة في حي طريف والبجيري. تتكامل هذه المسيرة مع مشروع الرياض آرت الذي يهدف إلى جعل العاصمة حاضنة عالمية للأعمال الفنية ومركز الفنون الأدائية في القدية الذي يضم مسرحًا بسعة ثلاثة آلاف مقعد ومرافق متطورة للتدريب الفني والبصري. كما يمتد الطموح ليشمل مشروع البيوت الثقافية بإنشاء 153 مركزًا ثقافيًا موزعة على مدن المملكة إضافةً إلى مجمع الفنون ضمن مشروع ذا لاين بـ”نيوم” والذي يهدف لتأسيس مراكز دولية رائدة للفنون البصرية المعاصرة.

إن هذه المشاريع ليست مجرد مرافق إنشائية بل هي أذرع استراتيجية ستخلق صناعة هوية إبداعية تعيد تعريف الحضور الثقافي السعودي على الخريطة العالمية وتؤسس لمستقبل يعكس طموحات الرؤية وواقع ملموس يُثري حياة المجتمع وينمي اقتصادنا الإبداعي. إن الهدف هو خلق بيئة خصبة وتجارب عالمية فريدة تؤهل جيلًا مبدعًا ومثقفًا يقلب صفحة القرن الماضي إلى صفحات سعودية ويعكس الإبداع العربي بشكل عام.