د. علي محمد الخوري.

السبت 20/يونيو/2026 – 01:12 م 6/20/2026 1:12:28 PM

يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة انتقالية، تتخطّى حدود التنافس التجاري المعتاد، ليتحوّل إلى مواجهة وصراع على من يحدد قواعد المال والنظام النقدي. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شُيِّد نظام مالي عالمي ارتكز على مركزية الدولار باعتباره العمود الذي قامت عليه حركة التجارة العابرة للحدود، واحتياطيات البنوك المركزية، وتدفقات رؤوس الأموال. وقد سمح هذا التموضع للولايات المتحدة بإنتاج نفوذ يفوق حدود اقتصادها المادي، بحيث غدا الدولار ليس مجرد وسيلة تبادلية، بل أداة ضبط للنظام الدولي برمّته.
الجذور التاريخية لبناء الهيمنة النقدية
تأسست هيمنة الدولار بدايةً مع اتفاقية بريتون وودز عام 1944، ثم رسّختها معادلة “البترو–دولار” في سبعينيات القرن الماضي، عندما أصبح تسعير النفط مرتبطًا بالدولار حصريًا. وبهذه الخطوة، تمكنت واشنطن من ترسيخ حضور عملتها في صميم البنية الاقتصادية العالمية، إذ تخطت حصة الدولار نصف التجارة الدولية، واقترب نصيبها من احتياطيات المصارف المركزية من الستين في المئة. هذا الموقع شكل قاعدة قوة منحت الولايات المتحدة قدرة على تمويل عجزها الداخلي من دون ضغوط حقيقية، واستخدام النظام المالي العالمي كأداة تأثير جيوسياسي في لحظات التوتر.
التشققات في النظام النقدي القائم
إلا أن المشهد بدأ يتغير خلال العقدين الأخيرين بصورة كبيرة جداً. المستويات التاريخية للدين الأميركي خلقت فجوة في الثقة بالقدرة الهيكلية للاقتصاد الأميركي على حفظ استدامة قوته النقدية. ومع لجوء واشنطن إلى سلاح العقوبات المالية في عدد من الأزمات، اكتسبت الدول المتضررة دافعًا قويًا لإعادة تقييم اعتمادها على الدولار، ليفتح الباب أمام تحركات واسعة لإعادة ترتيب العلاقات النقدية خارج المدار الغربي. وقد جاءت الأزمات المالية الممتدة منذ 2008، مرورًا بتداعيات الجائحة، لتؤكد هشاشة البنية النقدية القائمة على مركز واحد.
صعود القوى النقدية الصاعدة
وسط هذه الأحداث، برزت قوى اقتصادية صاعدة، مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل، تطمح إلى دور أكبر في هندسة قواعد اللعبة المالية. فقد اتجهت بكين، على وجه الخصوص، إلى توسيع نطاق استخدام اليوان في التسويات التجارية ضمن شبكة “الحزام والطريق”، بينما دفعت موسكو باتجاه توظيف الروبل والذهب في معاملاتها الخارجية بعد موجات العقوبات. وبموازاة ذلك، ارتفع مستوى النقاش داخل تكتل “البريكس” بشأن تطوير عملة مرجعية تعتمد سلة من السلع والعملات، في محاولة لإيجاد آلية تسوية أقل ارتباطًا بتقلبات السياسة الأميركية.

البدائل المطروحة: الذهب والعملات الرقمية
ورغم احتفاظ الذهب بموقعه كثاني أهم عنصر في الاحتياطيات العالمية، إلا أن الانقسامات داخل أوروبا وعدم وجود سياسة مالية موحدة بينها، حال دون تحويل الذهب إلى نظام نقدي عالمي بديل قادر على المنافسة. ومع ذلك، يظل الذهب مؤشرًا على رغبة دول عديدة في البحث عن أدوات تحميها من ضغوط النظام المالي الحالي. وفي الوقت نفسه، تفتح العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية مرحلة جديدة، قد تعيد تعريف طبيعة النقد ذاته، إذا ما استطاعت القوى الكبرى صياغتها ضمن نظام عالمي يسمح بالتشغيل البيني وتحويلات دولية تعمل بتوافقية بين مختلف الأنظمة.
الجغرافيا السياسية للنقود
لا يمكن قراءة كل هذه التحولات إلا بوصفها جزءًا من مواجهة جيوسياسية أعمق. فالولايات المتحدة تسعى إلى حماية موقع الدولار باعتباره مصدرًا لسلطتها العالمية، مستندة إلى تحالفاتها العسكرية والمؤسساتية، فيما تمضي الصين وروسيا في بناء فضاءات اقتصادية موازية، سواء عبر منظمة شنغهاي أو عبر منصة “البريكس” التي باتت تجذب اهتمامًا متزايدًا من دول الجنوب. وباتت إفريقيا والشرق الأوسط من أوائل المناطق التي تُجرَّب فيها هذه التغيّرات، بعد أن بدأت بعض دولهما باستخدام اليوان والروبل في تجارتها.
نظام نقدي متعدد الأقطاب
وهكذا تتجه الملامح نحو نظام نقدي متعدد الأقطاب، يتراجع فيه الدور المطلق للدولار، من دون أن يختفي. العملة الأميركية ستظل ركيزة محورية في الاقتصاد العالمي، لكنها لن تبقى اللاعب الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعمل فيها عملات أخرى، بينها اليوان واليورو وربما عملات إقليمية جديدة، على تقاسم النفوذ في التجارة الدولية وممرات الطاقة وسلاسل الإنتاج.
ومع أن هذه التحولات تفتح الباب أمام إعادة تشكيل خريطة القوة المالية في العالم، إلا أن التساؤل الحقيقي يتجاوز موقع الدولار أو اليوان، ليطال طبيعة النظام النقدي نفسه وعما إذا كان بإمكان الاقتصاد العالمي أن ينتقل من نموذج قائم على مركز واحد يفرض إيقاعه، إلى نموذج أكثر اتساقًا مع واقع التعدد الاقتصادي والتكنولوجي والسكاني الذي يهيكل القرن الحادي والعشرين، وإذا ما ستتمكن الدول النامية من إعادة التموضع في هذا النظام عبر مؤسسات نقدية مستقلة، بدل البقاء في حالة التبعية لهذه الأنظمة.
النموذج النقدي في القرن الجديد
من وسط هذه التساؤلات تظهر حقيقة متناقضة، وهو أن العالم يتحرك نحو بنية مالية تشبه الطرق التي تعمل بها القوى الطبيعية عندما لا يسيطر عنصر واحد على المشهد. وإذا كان القرن الماضي قد بُني على فكرة عملة واحدة تضبط الإيقاع الاقتصادي والمالي العام، فإن القرن الحالي يميل نحو نموذج أكثر تعددية وتعقيدًا. وما لم تُستوعَب هذه الحقيقة، قد تجد الدول نفسها في مواجهة مشكلات متلاحقة تتزايد مع الوقت ولا ينتج عنها في النهاية إلا إعادة تدوير النظام القديم بوجوه جديدة.
ربما تكون الخطوة الفاصلة اليوم هي قدرة القوى الكبرى على الخروج من منطق السيطرة نحو منطق التوازن، وقدرة الدول الصاعدة على تحويل طموحاتها النقدية إلى مؤسسات بهياكل مالية قوية قادرة على الصمود. ما هو مؤكد هو أن التاريخ لا يمنح فرصًا كثيرة، وعندما يمنح إحداها، لا ينحاز إلا لمن يمتلك رؤية تدرك أن قيمة النقد ناتجة عن القوة التي تحميه وتفرضه، لا من الورق الذي يُطبع عليه. ففي عالم ينفتح على احتمالات غير مسبوقة، من الواضح بأن جوهر النقاشات سيبقى مرتبطًا بالنموذج النقدي للقرن الجديد، لأنه سيحدد شكل القوة الاقتصادية في العقود المقبلة، وسيفصل في مستقبل المؤسسات المالية الكبرى القائمة.