لم تكن رحلة مروة محمود عبد العزيز، التي حققت المركز الأول على مستوى الجمهورية في الثانوية الأزهرية، مجرد قصة تفوق دراسي، بل هي حكاية صبر وإيمان بدأت منذ ولادتها بعيب خلقي في القلب، ومرت بمحطات علاجية صعبة، قبل أن تحقق إنجازًا استثنائيًا يضع اسمها في صدارة أوائل الجمهورية.

في واحدة من أصعب محطات حياتها، كانت مروة تستعد لإجراء جراحة قلب دقيقة، بعدما أصبحت حالتها الصحية لا تسمح لها حتى بصعود سلم الطائرة. نُقلت بواسطة الونش الطبي وسط قلق بالغ من أسرتها. وفي تلك اللحظات، فوجئت الأسرة بوجود جراح القلب العالمي الدكتور مجدي يعقوب على متن الرحلة نفسها، حيث صعد مع مروة في الونش الطبي، مما منح الأسرة شعورًا كبيرًا بالطمأنينة قبل دخولها غرفة العمليات.

ولم تكن هذه المفاجأة الوحيدة، إذ تبين أن عددًا من ركاب الطائرة كانوا من أعضاء الفريق الطبي المرافق للدكتور مجدي يعقوب، المتجهين للمشاركة في مهام طبية.

مروة: وجود الدكتور مجدي يعقوب في نفس الطيارة كان رسالة طمأنينة

تروي والدة مروة تلك اللحظات قائلة: “حينها شعرت أن الله يرتب كل شيء… وجود الدكتور مجدي يعقوب وكل الأطباء في نفس الطيارة كان رسالة طمأنينة لنا قبل العملية.”.

وبمجرد وصول الطائرة، دخلت مروة غرفة العمليات، وفي صباح اليوم التالي خرجت من الجراحة بسلام لتبدأ فصلًا جديدًا من حياتها.

ولدت مروة وهي تعاني من عيب خلقي معقد في القلب، ومع مرور السنوات تسبب المرض في نقص شديد بالأكسجين أثر على المخ وانعكس على السمع والبصر. ورغم تأكيد عدد من الأطباء لأسرتها بأن حالتها الصحية بالغة الصعوبة، إلا أن والدتها رفضت الاستسلام وتمسكت بالأمل والدعاء، مؤمنة بأن ابنتها قادرة على تجاوز كل المحن.

وقالت: “كانت مروة تبدو غير مستجيبة وهي صغيرة، لكنني لم أفقد الأمل فيها أبدًا. كنت مؤمنة بأن الله قادر على تغيير كل شيء.”.

في الخامسة من عمرها، اصطحبت والدتها مروة إلى إحدى مقارئ القرآن الكريم. ورغم تشكيك البعض في قدرتها على الحفظ بسبب حالتها الصحية، كان لشيخ المقرأة رأي مختلف إذ قال لوالدتها: “اتركيها… لدي يقين بالله أنها ستحفظ القرآن الكريم.” تحولت هذه الكلمات إلى نقطة انطلاق جديدة حيث أتمت مروة حفظ القرآن الكريم كاملًا وأصبحت من المتفوقات في القرآن والعلوم الشرعية.

خضعت مروة لثلاث عمليات قلب مفتوح خلال رحلة علاجها. أجرت أولى العمليات وهي طفلة ثم خضعت لعملية ثانية في سن الخامسة عشرة قبل أن تحتاج إلى تغيير أحد صمامات القلب بعد تعرضها لاضطراب شديد في نبضاته. كما أصيبت بجلطات امتدت إلى الرئة ودخلت سباقًا مع الزمن لإجراء جراحة جديدة ولا تزال تنتظر تدخلًا طبيًا آخر لعلاج اضطراب كهرباء القلب.

لم تمنعها رحلات العلاج المتكررة من مواصلة الدراسة إذ تزامنت مواعيد العمليات والفحوصات مع الامتحانات لأكثر من عام ما اضطرها إلى أداء امتحانات الدور الثاني. وكان والدها يصطحبها إلى لجان الامتحانات وهي تعتمد على جهاز الأكسجين بينما كانت تواصل المذاكرة بين جلسات العلاج وتعود إلى كتبها كلما سمحت حالتها الصحية.

بعد سنوات من الألم والتحديات جاء يوم إعلان نتيجة الثانوية الأزهرية ليحمل لمروة وأسرتها لحظة طال انتظارها بعدما تُوجت بالمركز الأول على مستوى الجمهورية. ولم يكن هذا الإنجاز ثمرة عام دراسي واحد بل حصاد سنوات طويلة من الصبر والإيمان والاجتهاد جمعت خلالها بين رحلة علاج شاقة وحفظ القرآن الكريم والتفوق الدراسي.

وأكدت مروة أن حلمها المقبل هو أداء فريضة الحج ثم الالتحاق بكلية الشريعة لمواصلة رحلتها في خدمة القرآن الكريم والعلم.

بين قلب أنهكته الجراح وإرادة لم تعرف الاستسلام صنعت مروة قصة نجاح ملهمة تؤكد أن الإيمان والعزيمة قادران على تحويل أصعب المحن إلى إنجازات استثنائية.