في قلب صحراء الوادي الجديد، وعلى ربوة مرتفعة تُشرف على الطرق والدروب الرملية، تقف مدينة بلاط الإسلامية كأنها حارس صامت لذاكرة الواحات. تمتد المدينة الطينية العتيقة على مساحة تقارب 22 فدانًا، تتشابك فيها الأزقة الضيقة والبيوت القديمة، فتبدو للزائر كمتاهة غامضة، بينما تروي في حقيقتها حكاية قرون طويلة من التكيف مع البيئة ومواجهة قسوة الصحراء.

وخلال جولة لـ”مصراوي” بين أزقة المدينة الإسلامية القديمة وما يحيط بها من شواهد فرعونية ورومانية وعثمانية، كشف عدد من المختصين والمسؤولين أسرار هذا المكان الفريد، وكيف تحولت مدينة بلاط إلى متحف مفتوح يجسد تعاقب الحضارات في قلب الصحراء الغربية.

مدينة بلاط

على بعد كيلومتر واحد فقط من بلاط الإسلامية، تقع مقابر بلاط الفرعونية التي تعود إلى الأسرة السادسة، نحو عام 2420 قبل الميلاد.

تحتفظ جدران هذه المقابر برسومات ونقوش تصور تفاصيل الحياة اليومية للمصريين القدماء، من الصيد والزراعة إلى مواكب الحكام الذين أشرفوا على إدارة الواحات.

قال الأثري منصور عثمان في تصريحات خاصة لـ”مصراوي” إن الشواهد الفرعونية المحيطة ببلاط تؤكد أن المنطقة كانت مقرًا لحكام الواحات خلال الدولتين القديمة والوسطى. أوضح أن قلاع الضبة وعين الأصيل ومقبرة حاكم الواحات التي يحمل مدخلها نقشًا هيروغليفيًا يصف صاحبه بـ”أقوى حكام الصحراء” تعكس أهمية المنطقة في إدارة طرق التجارة والقوافل عبر الصحراء.

وأضاف أن الحضور الحضاري للمنطقة امتد إلى العصر الروماني، وهو ما يظهر في مقبرة كتيانوس بقرية البشندي التي تمزج نقوشها بين الفن المصري والروماني، قبل أن تنتقل أهمية المنطقة لاحقًا إلى مدينة بلاط الإسلامية.

مع بدايات العصر الإسلامي ثم العثماني، بدأت ملامح مدينة جديدة تتشكل فوق الربوة المرتفعة في قلب الواحة.

قال الخبير الأثري بهجت أبوصديرة، مدير آثار الوادي الجديد السابق، إن اختيار موقع المدينة لم يكن مصادفة وإنما جاء لحمايتها من المياه الجوفية ومنحها موقعًا دفاعيًا يتيح مراقبة الطرق المؤدية إلى الواحة.

أضاف أن الأزقة الضيقة والمسقوفة بالأخشاب لم تُنفذ بصورة عشوائية بل صُممت بعناية لتوفير تهوية طبيعية وتقليل درجات الحرارة وتحقيق التوازن البيئي داخل المدينة.

متاهة في مدينة بلاط بالوادي الجديد

أوضح “أبو صديرة” أن المتجول داخل بلاط الإسلامية يشعر وكأنه يسير في متاهة من الطين والخشب إلا أن هذا التخطيط كان مقصودًا لتحقيق الحماية.

فالمنازل متلاصقة والممرات ضيقة والمباني مرتفعة ما يوفر الظل طوال ساعات النهار بينما أسهم استخدام الطوب اللبن وسمك الجدران والسقائف الخشبية في خفض درجات الحرارة داخل المنازل والدروب.

وعلى واجهات المنازل تنتشر أعتاب خشبية منقوشة بالحفر البارز تحمل أسماء أصحاب البيوت وتواريخ إنشائها وزخارف عربية مميزة. قالت الأثرية سهام بحر، مدير الآثار الإسلامية بالوادي الجديد، إن هذه النقوش تمثل وثائق تاريخية حية مشيرة إلى أن أقدم تاريخ مدون عليها يعود إلى عام 1163 هجريًا بينما يرجع أحدثها إلى عام 1253 هجريًا وهو ما يعكس استمرارية العمران بالمدينة لأكثر من قرنين.

أضافت أن الجدران الداخلية للمنازل تضم آيات قرآنية وأدعية وأسماء الملاك وأبنائهم لتصبح كل دار سجلًا تاريخيًا يوثق الحياة الاجتماعية لسكان الواحات.

قال محسن عبد المنعم يونس، مدير هيئة تنشيط السياحة بالوادي الجديد، إن تسمية المدينة بـ”بلاط” تعود إلى كونها كانت مقرًا للبلاط الملكي خلال العصر العثماني حيث اتخذها الحكام والإداريون مركزًا لإدارة شؤون الواحات.

أضاف أن المدينة تضم عددًا من المعالم الدينية والمدنية منها ديوان العمدة ومسجد عين قبالة ومسجد عين علم وبيت عائلة إبراهيم بالإضافة إلى الطواحين وعصارات الزيتون والمخازن والحوانيت التي كانت تخدم السكان والقوافل التجارية.

وأوضح محسن يونس أن التنظيم الاجتماعي التقليدي ما زال حاضرًا حتى اليوم إذ تنقسم شوارع المدينة إلى حارات تحمل أسماء العائلات الكبرى وهو ما يعكس استمرار الطابع الاجتماعي المتماسك للواحات.

كما أكد الأثري صبري يوسف أن مقابر بلاط الفرعونية تؤكد أن المنطقة كانت مركزًا مهمًا لإدارة الصحراء وطرق التجارة القديمة وليست مجرد محطة عابرة.

اليوم تُعد بلاط الإسلامية واحدة من أبرز الوجهات التراثية في الوادي الجديد إذ تجمع بين المقابر الفرعونية والشواهد الرومانية والمدينة الإسلامية والمعالم العثمانية بما يعكس عمق التاريخ المصري في قلب الصحراء الغربية. وبين الأزقة الضيقة والأبواب الخشبية المنقوشة والمساجد القديمة والبيوت الطينية التي لا تزال تحمل أسماء أصحابها تبقى مدينة بلاط شاهدًا حيًا على حضارة استطاعت أن تبني من الطين والخشب والظل نموذجًا فريدًا للحياة في قلب الصحراء.