تعد الضربة الجوية التي استهدفت مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب واحدة من أكثر الأحداث دموية في المواجهة بين إيران وأمريكا، حيث أودت بحياة عشرات الأطفال في لحظة واحدة.

ورغم مرور أكثر من 120 يومًا على سقوط صاروخ أمريكي واحد على الأقل فوق رؤوس التلاميذ، لا يزال الغموض يكتنف الحادثة في ظل غياب حصيلة رسمية نهائية وإنكار إدارة ترامب المباشر للمسؤولية.

لكن، بالاعتماد على مصادر مفتوحة ولقطات فيديو وتقارير حقوقية ومقابلات مع باحثين ومدنيين أجرتها وكالة “أسوشيتد برس”، تم الكشف عن تفاصيل مروعة حول القصف الذي استهدف الضحايا وسط فراغ في المساءلة ترك عائلاتهم دون إجابات.

التسلسل الزمني لمجزرة مدرسة ميناب في حرب إيران

صباح السبت 28 فبراير: هدوء ما قبل الانفجار

كانت سماء مدينة ميناب الواقعة جنوب شرق البلاد صافية ومشرقة في يوم دراسي اعتيادي تزامن مع شهر رمضان المبارك، حيث تدافع طلاب مدرسة “شجرة طيبة” متجاوزين الجداريات الملونة إلى فصولهم ذات المقاعد الزاهية.

وأوضحت شيفا أمليراد، ممثلة دولية للمجلس التنسيقي لنقابة المعلمين الإيرانيين، أن هذه المدرسة كانت واحدة من 30 منشأة تحمل الاسم نفسه، وأنشئت لخدمة أطفال عائلات منتسبي الحرس الثوري الإيراني ومؤسسات الدولة، مؤكدة أن استهداف الأطفال مدان قاطعا بغض النظر عن خلفياتهم.

9:40 صباحًا: ناقوس الخطر وبدء الإخلاء

تلقى المعلمون والإداريون نبأ بدء سقوط القنابل على العاصمة طهران ضمن حرب إيران.

وفي تلك اللحظة، رأى القائمون على المدرسة ضرورة إرسال الأطفال إلى منازلهم، فبدأوا بالاتصال بأولياء الأمور عبر الهواتف الأرضية لطلب حضورهم فورًا، وهو ما أكده شخصان للوكالة وتطابق مع تقرير منظمة “إير وورز” المستقلة التي ترصد النزاعات.

وفي الساعة 10:15 صباحًا، أصدرت الوسائل الإعلامية الرسمية بيانًا عاجلًا يقضي بإغلاق المدارس في كافة أنحاء البلاد.

10:25 صباحًا: لحظة سقوط الصاروخ الأمريكي

روى أحد سكان ميناب قصة أب هرع للمدرسة واصطحب ابنه البالغ من العمر 10 سنوات، وشاهد طفلين من أقاربه في سن السادسة والسابعة ينتظران والدهما ورفضا المغادرة معه.

بعد عشر دقائق فقط من خروج الأب، وتحديدًا عند الساعة 10:25 صباحًا، دوت انفجارات هائلة.

وأظهر تحليل الأقمار الاصطناعية أن عدة ذخائر ثقيلة قصفت المجمع مستهدفة 5 مبانٍ على الأقل، حيث تسببت مئات الأرطال من المتفجرات في انهيار المدرسة بالكامل نتيجة الغارات الأمريكية.

مشاهد الكارثة: ذراع صغيرة وسط ركام ميناب

هرع الأب عائدًا ليشاهد جثثًا متفحمة وأهالي يحفرون بأيديهم وسط الركام المتصاعد منه الدخان.

عثر المسعفون بين الأنقاض على حقائب ظهر صغيرة ورسومات وأقلام تلوين، بينما كانت ذراع صغيرة تتدلى برفق وسط الحطام.

وأكدت منظمة بلوشستان لحقوق الإنسان أن الموجة الانفجارية مزقت الجثث لدرجة استحال معها التعرف على الكثير منها.

وبحلول نهاية اليوم، استقبل المستشفى المحلي 108 جثث قبل أن ترفع وسائل الإعلام الرسمية الحصيلة لاحقًا إلى 168 قتيلاً.

تسييس المأساة والتعتيم الإعلامي

بعد 3 أيام، بث التلفزيون الإيراني لقطات لجنازة جماعية في ميناب.

وأفاد سكان بأن الأهالي أجبروا على دفن أطفالهم في مقبرة جماعية دون شواهد تميزها.

ووفقاً لـ”أسوشيتد برس”، فقد استغلت الحكومة الإيرانية الحادثة دعائيًّا حيث ارتدى لاعبو المنتخب دبابيس تحمل رقم 168 وأطلق أحداث اليوم المفاوض على نفسه وفد ميناب 168.

واتهمت منظمة العفو الدولية في مارس السلطات باستغلال معاناة العائلات لأغراض سياسية في وقت قطعت فيه إيران الإنترنت ومنعت دخول الصحفيين ظل صراع إيران وأمريكا.

أدلة الأرشيف: خطأ البنتاغون القاتل

بينما نفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علمه بالحادثة مدعيًا أن الصواريخ كانت تحلق في كل مكان، كشف مسؤول أمريكي مطلع أن الجيش الأمريكي كان يمتلك أدلة فورية على القصف.

وأوضح المسؤول أن محللاً عسكريًّا حدد المبنى بصفته مدرسة منذ 7 سنوات لكن المعلومة لم تعمم عبر أجهزة الاستخبارات ما أدى لعدم ظهور الموقع كمنشأة محمية.

وعزا مسؤول سابق في البنتاغون هذا القصف إلى التغييرات الهيكلية التي أجراها ترامب وتقليص الكوادر المعنية بالحد من الأضرار الجانبية.

سياسات بيت هيجسيث وقوائم حظر الاستهداف

صرح ويس براينت رئيس فرع تقييم أضرار المدنيين بمكتب مركز التميز لحماية المدنيين حتى عام 2024 أن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث قلص حجم المكتب ما أدى لشلل تحديث قوائم حظر الاستهداف التي تضم المدارس والمستشفيات.

وأكد براينت أن تلك القوائم كانت قديمة وغير محدثة وقت الهجوم
ورغم ذلك لا تزال القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” تراجع نتائج التحقيق بينما يواصل السيناتور الجمهوري مايك راوندز عضو لجنتي القوات المسلحة والاستخبارات الضغط لنشر التقرير كاملاً مؤكدًا أن القضية لن تختفي في ظل استمرار حرب إيران
.

توثيق الضحايا والبحث عن العدالة

نجحت مجموعة إير وورز البحثية في توثيق هويات 157 قتيلاً بينهم 123 طفلاً و26 من الكادر التعليمي كانت إحداهن حاملاً إضافة إلى 5 أولياء أمور
وتقدر المجموعة عدد المصابين بين 95 و111 شخصاً
وفي حين يواصل وزير الدفاع الأمريكي مراوغته بشأن موعد نشر التقرير يبقى أهالي الضحايا في ميناب دون إجابات حقيقية حول المجزرة التي وقعت في سياق صراع إيران وأمريكا الممتد.