قال الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، إن الساعي لرفعة دينه ووطنه يحمل كفنه على يده، مدركًا أن القامات الشامخة هي الأكثر عرضة لسهام التشكيك، وأن الأوطان لا تُبنى بالتهاون، بل بالتضحيات الجسام.
وأوضح الدكتور محمد مختار جمعة، خلال لقائه مع الإعلامي نافع التراس في برنامج “المواطن والمسؤول”، المذاع على قناة “الشمس”، أن من يضع مصلحة وطنه نصب عينيه يعلم يقينًا أن مصالح الأوطان من صميم مقاصد الأديان. كل جهد يُبذل لحماية الدولة هو في جوهره إعلاء لقيم الدين الحنيف. ولأن مصر هي القلب النابض للعروبة والإسلام، فإن استهدافها واستهداف المخلصين من أبنائها يظل قائمًا ومستمرًا من أصحاب الأجندات التخريبية.
في مواجهة هذا الاستهداف، استحضر وزير الأوقاف السابق تجارب التاريخ وحكم الشعراء؛ فكما قال أبو الأسود الدؤلي: “حَسَدوا الفَتى إِذ لَم يَنالوا سَعَيهُ.. فَالقَومُ أَعداءٌ لَهُ وَخُصومُ”. وجاء أمير الشعراء أحمد شوقي ليشير إلى وجود الخصوم كحافز للقمة قائلاً: “عِدايَ عِداءُ أَهْلِيهِمْ فَضْلٌ عَلَيَّ وَمِنَّةُ.. فَلا أَبْعَدَ اللَّهُ عَنِّي الأَعَادِيَا هُمُ بَصَّرُونِي زَلَّتِي فَاجْتَنَبْتُهَا.. وَهُمُ سَابَقُونِي فَاكْتَسَبْتُ الْمَعَالِيَا”.
ولفت إلى أن المبدأ الراسخ هنا واضح؛ فاللص لا يحوم إلا حول البيوت العامرة، والشجرة الخاوية من الثمر لا يلتفت إليها أحد. ومن يقدم عملاً جادًا لبلده يجب ألا يعبأ بالشانئين. التضحية والابتلاء سنتان كونيتان أكدهما القرآن الكريم في مواضع عدة تعيد التذكير بأن النصر مع الصبر، وأن عاقبة الصدق هي النجاة والتمكين.
وأشار إلى أن العالم اليوم يدخل حقبة التكتلات الشاملة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. وهنا تبرز مصر بميزاتها التاريخية والجغرافية والحضارية الاستثنائية؛ حيث تلتقي فيها أربعة أبعاد استراتيجية لا تتناقض بل تتكامل لتصنع محورًا عالميًا. هذه الأبعاد تتمثل في العمق العربي والعمق الإسلامي والعمق الأفريقي والعمق المتوسطي. مؤكدًا أن هذا التداخل الفريد بين الهويتين العربية والإسلامية يمنح الدبلوماسية المصرية مرونة فائقة لتكون قاعدة تلاقٍ كبرى ومنطلقًا لصياغة سياسات موحدة عبر مظلات جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأفريقي ودول حوض البحر المتوسط.
وأكد أنه في ظل الاستهداف الإقليمي الراهن، تحولت الدعوة المتكررة للقيادة السياسية المصرية بتأسيس “قوة عربية مشتركة” مدعومة بتحالفات إسلامية، من حيز الأماني الطموحة إلى حيز واجب الوقت والضرورة الملحة القابلة للتطبيق على أرض الواقع لحماية أمن الأمة. موضحًا أن هذه الرؤية العسكرية المشتركة تقوم على محددين بنيويين؛ أولهما أن القوات المسلحة المصرية بطبيعتها وتاريخها تحمي ولا تبغي. الهدف من القوة المشتركة هو تفعيل الأمر الإلهي في الحشد والإعداد: ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾؛ لأن ما يتحقق بالردع ومنع وقوع الجريمة العسكرية أعظم وأبقى مما يتحقق بخوض الحروب. علاوة على ذلك، يتم التشديد المستمر في كافة المحافل على أن أمن الدول العربية والخليجية من أمن مصر وأمن مصر من أمن الأشقاء ككل لا يتجزأ.
وشدد على أن السياسة المصرية لا تتآمر ضد أحد ولا تبحث عن معارك صفرية، بل تتحرك بالتوازي على كافة المحاور؛ تعاون سياسي يمنح الأمة ثقلاً في المحافل الدولية وتكامل اقتصادي يصنع جبهة صمود في وجه الأزمات العالمية وقوة عسكرية رادعة تصون المصالح المشتركة وتضع حدًا للأطماع الخارجية المتربصة بالمنطقة.

