إذا تحدثنا عن العلاقات المصرية الصينية خلال العقود السبعة الماضية، نجدها تدور غالبا حول التجارة والمصانع والبنية التحتية والمناطق الصناعية.

صور التعاون واضحة وسهلة الفهم. استيراد سلع، وشركات صينية تبني مصانع أو خط سكة حديد حديثا أو محطة طاقة أو منطقة صناعية جديدة. معدات وآلات وخطوط إنتاج. كان ذلك طبيعيا، فالعالم نفسه كان ينظر إلى التنمية من خلال الخرسانة والحديد والطاقة التقليدية.

لكن العالم تغير بسرعة.

اليوم لم تعد القوة الاقتصادية تقاس فقط بعدد المصانع أو طول الطرق السريعة أو حجم الموانئ، فحسب بل أصبحت تقاس أيضا حجم البيانات التي تنتجها الدول، وقدرتها على تحويل هذه البيانات إلى خدمات وفرص عمل وابتكار وثروة.

لقد دخل العالم عصر الاقتصاد الرقمي.

وفي هذا العصر لم يعد الحزام البحري لطريق الحرير يمر فقط عبر البحار والموانئ، بل أصبح يمر أيضا عبر مراكز البيانات والحوسبة السحابية وشبكات الاتصالات ومنصات التجارة الإلكترونية ونماذج الذكاء الاصطناعي.

وبينما تدخل العلاقات المصرية الصينية عقدها الثامن، أعتقد أنها أصبحت بحاجة إلى دفعة رقمية جديدة. فالتعاون التقليدي بين البلدين حقق نجاحات مهمة خلال العقود الماضية، لكن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال إلى بناء المنظومات الرقمية، ومن استيراد التكنولوجيا إلى المشاركة في تطويرها، ومن التعاون الصناعي التقليدي إلى الشراكة في اقتصاد المعرفة.

ولعل زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ إلى مصر، وما شهدته من توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والاتصالات والبنية التحتية التكنولوجية أواخر العام الماضي، تعكس إدراكا متزايدا لدى الجانبين بأن مستقبل التنمية لن يتحدد فقط بالمشروعات التقليدية، بل أيضًا بالقدرة على بناء اقتصاد رقمي متطور.

وبصفتي متابعا للتحولات هنا، أستطيع القول إن الصين اليوم لم تعد مجرد مصنع العالم كما كانت توصف قبل سنوات، بل أصبحت واحدة من أكبر القوى الرقمية على سطح الأرض.

في الداخل الصيني، يعيش أكثر من مليار مستخدم داخل منظومة رقمية متكاملة تشمل التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية والخدمات الحكومية الذكية والنقل الذكي والتعليم الرقمي والرعاية الصحية الإلكترونية. وفي بعض المدن الصينية أصبح من الممكن أن يعيش الإنسان أياما كاملة دون أن يتعامل مع النقود الورقية أو يزور مكتبا حكوميا واحدا.

أما على المستوى الدولي، فقد نجحت الصين في تصدير خبرتها الرقمية إلى عشرات الدول. وتقدم تجربة طريق الحرير الرقمي نموذجا واضحا لما يمكن أن تحققه الشراكات الرقمية الحديثة. فقد شاركت الشركات الصينية في بناء وتطوير شبكات الاتصالات ومراكز البيانات في إفريقيا وآسيا، وأسهمت في نشر تقنيات الجيل الرابع والخامس، كما أطلقت مبادرات للتجارة الإلكترونية العابرة للحدود ربطت المنتجين في عشرات الدول بالأسواق العالمية.

ويمتد هذا الحضور إلى منطقة الخليج العربي، حيث بدأت شركات التكنولوجيا الصينية في تقديم حلول متقدمة للذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية باللغة العربية، في مؤشر واضح على أن المنافسة الاقتصادية العالمية انتقلت بالفعل إلى المجال الرقمي.

وهنا تحديدا تظهر فرصة مصر. فمصر تمتلك كثيرا من المقومات التي تحتاجها أي قوة رقمية صاعدة. فهي تمتلك موقعا جغرافيا فريدا يجعلها بوابة طبيعية بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وسوقا ضخمة تضم أكثر من مئة مليون مواطن، وقاعدة شبابية واسعة تمثل أحد أهم مواردها الاستراتيجية.

لكن الأهم من ذلك أن مصر تمتلك حاجة حقيقية للتحول الرقمي. فالعاصمة الإدارية الجديدة، والمدن الذكية الجاري إنشاؤها، وخطط تطوير الخدمات الحكومية، وتوسيع الاقتصاد الرسمي واتمتته، وجذب الاستثمارات الأجنبية، كلها مشروعات لا يمكن أن تحقق أهدافها الكاملة دون بنية رقمية قوية واقتصاد رقمي متطور.

فالمستثمر العالمي اليوم لا يسأل فقط عن الطرق والكهرباء والموانئ فحسب، بل يسأل أيضا عن سرعة الإنترنت، ومراكز البيانات، والأمن السيبراني، وكفاءة الخدمات الحكومية الرقمية، ومدى توافر الكفاءات التكنولوجية القادرة على دعم أعماله.

ولهذا فإن التحول الرقمي لم يعد ترفا تنمويا، بل أصبح أحد شروط المنافسة الاقتصادية.

ومن هنا يأتي أهمية تعزيز التعاون بين البلدين في إعداد الكوادر الرقمية المصرية التي ستقود اقتصاد المستقبل.

فأحد أهم الدروس التي تعلمتها من الصين أن التكنولوجيا لا تبدأ من الأجهزة، بل تبدأ من الإنسان. فالصين لم تصبح قوة رقمية لأنها امتلكت الخوادم والكابلات فقط، بل لأنها استثمرت لعقود طويلة في التعليم والتدريب وتأهيل الكفاءات.

ولهذا فإن أكبر مكسب يمكن أن تحققه مصر من التعاون الرقمي مع الصين هو التوطين ونقل المعرفة والخبرة.

تخيل لو حصل آلاف المطورين المصريين على فرص تدريب وعمل داخل الشركات الصينية الكبرى. وتخيل لو أصبحت الجامعات المصرية تدمج علوم البيانات والذكاء الاصطناعي مع اللغة الصينية للأعمال. وتخيل لو تحولت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى منصة إقليمية لتجميع واختبار معدات الاتصالات والتقنيات الذكية الموجهة إلى أسواق إفريقيا والشرق الأوسط.
عندها لن تصبح مصر مجرد سوق للتكنولوجيا، بل شريكا في إنتاجها وتطويرها.
وتسمح اتفاقيات الشراكة بين الجانبين للشركات الناشئة المصرية أن تستفيد من صناديق الاستثمار المشتركة وحاضنات الأعمال الصينية ومراكز التدريب المتخصصة في مجالات الحوسبة السحابية وتصميم الرقائق الإلكترونية والتكنولوجيا المالية. ويمكن للعقول المصرية أن تشارك في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية الموجهة إلى أكثر من مليار مستهلك في الأسواق العربية والإفريقية المجاورة.

لكن ترجمة هذه الفرص يتطلب بيئة تنظيمية وتشريعية مرنة تمنح حوافز للشركات التكنولوجية التي تؤسس مراكز للبحث والتطوير داخل مصر، مع توفير أطر قوية لحماية البيانات والملكية الفكرية وبناء الثقة المتبادلة.

كما تبرز الحاجة إلى تهيئة البنية التحتية الرقمية من خلال إنشاء مناطق متخصصة للتكنولوجيا الفائقة، وتطوير مراكز البيانات، وتفعيل بيئات تجريبية تسمح باختبار حلول التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية الحديثة.

ويتطلب ذلك كله رؤية تعتبر الاقتصاد الرقمي مشروعا قوميا.

ففي القرن التاسع عشر كانت الثروة تصنعها الأرض.وفي القرن العشرين صنعتها المصانع.أما في القرن الحادي والعشرين فإن الثروة تصنعها المعرفة والبيانات والابتكار.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يمكن أن تبيع الصين لمصر؟

بل كيف يمكن لمصر أن تستفيد من أكبر تجربة للتحول الرقمي في العالم لبناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة وأكثر قدرة على خلق فرص العمل لشبابها؟

إذا نجح البلدان في الإجابة عن هذا السؤال، فإن الشراكة المصرية الصينية ستدخل مرحلة جديدة تماما في العقد القادم.

عندها لن تكون قناة السويس مجرد ممر للسفن والبضائع، بل ستصبح أيضا ممرا للبيانات والتكنولوجيا والأفكار.وسيصبح طريق الحرير الرقمي أحد أهم الجسور التي تربط مستقبل مصر بمستقبل الاقتصاد العالمي.