أرست محكمة المنيا الابتدائية، الدائرة الأولى مدني مستأنف، مبدأ قضائيًا مهمًا يتعلق بحجية المحررات العرفية التي تتكون من عدة أوراق، حيث أكدت على ضرورة اشتراط توقيع كل صفحة أو إثبات اتصال الأوراق ببعضها حتى تكتسب الحجية الكاملة في الإثبات.
وأوضحت المحكمة أن الورقة العرفية لا تكتسب قوتها في الإثبات إلا من خلال التوقيع الوارد عليها، الذي يُعتبر المظهر المادي الدال على إرادة صاحب التوقيع والتزامه بما ورد في المحرر.
كما بينت المحكمة أنه إذا كان العقد مكونًا من عدة صفحات منفصلة وغير مرتبطة ماديًا، فإن توقيع الشخص على الصفحة الأخيرة فقط لا يعتبر كافيًا بحد ذاته، ما لم يثبت أن الصفحات تشكل محررًا واحدًا من خلال اتصال وثيق تدعمه أدلة قاطعة مثل التسلسل الرقمي للصفحات، والتلاحم المنطقي للنصوص، وعدم وجود فواصل أو فجوات أو اختلافات تشير إلى انفصال الأوراق.
تفاصيل النزاع
ترجع وقائع القضية إلى إقامة دعوى أمام المحكمة لطلب صحة ونفاذ عقد بيع عرفي مؤرخ في 26 يناير. غير أن المدعى عليه تمسك ببطلان العقد وطعن عليه بالتزوير، مشيرًا إلى أن المحرر المقدم للمحكمة لم يُحرر بالصورة الصحيحة واحتوى على بيانات وتوقيعات تم العبث بها.
وكانت محكمة أول درجة قد قضت بصحة توقيع المدعى عليه على العقد، لكن المستأنف تمسك أمام محكمة الاستئناف بوجود تناقضات جوهرية بين صفحات العقد وطالب بإحالته إلى قسم أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي لفحص مدى صحة المحرر والتوقيعات الواردة به.
تقرير الطب الشرعي يكشف التلاعب
قررت المحكمة ندب خبير من قسم أبحاث التزييف والتزوير، والذي انتهى في تقريره إلى وجود اختلافات فنية بين صفحات العقد تمثلت في اختلاف تكوينات الأحبار وتباين أحجام الخطوط وانحراف مواضع ترقيم الصفحات، فضلًا عن اختلاف أسلوب صياغة بعض العبارات.
وأشار التقرير إلى أن تلك الاختلافات تؤكد أن صفحات العقد لم تُحرر في وقت واحد وأن بعضها تعرض للإضافة أو الاستبدال.
وطمأنت المحكمة إلى ما انتهى إليه تقرير الخبير، مؤكدة أنه صدر عن جهة فنية متخصصة وجاء قائمًا على أسباب واضحة، ولم يقدم أي من الخصوم ما ينال من سلامته أو يدحض نتائجه.
وأضافت المحكمة أن الاختلافات الجوهرية التي كشف عنها التقرير تهدر حجية العقد كمستند لإثبات التصرف محل النزاع، مما يؤدي إلى سقوطه كدليل قانوني.
وانتهت المحكمة إلى ثبوت صحة الطعن بالتزوير فقضت بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجددًا برد وبطلان عقد البيع محل النزاع ورفض الدعوى الأصلية مع إلزام المستأنف ضده بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.

