لم يعد المشهد فى مارينا 2 مجرد «تطوير» أو «تحديث»، بل تحولت إلى معركة صامتة بين الخرسانة وما تبقى من روح المكان. ما كان يوماً نموذجاً للتخطيط الراقى، صار اليوم مهدداً بتآكل بطىء، تقوده تعديات لا تخطئها العين… ولا يوقفها أحد. السؤال لم يعد: من بنى؟ بل: من سمح؟ ومن صمت؟
فى بداياتها، لم تكن مارينا 2 مجرد مشروع سياحى على الساحل الشمالى، بل كانت إعلاناً واضحاً عن فلسفة عمرانية تحترم الإنسان قبل المبنى. مساحات خضراء مفتوحة، بحيرات صناعية، ونسب بناء محسوبة بدقة، لتخلق توازناً نادراً بين الخصوصية والجمال.
اليوم، وبعد مرور أكثر من 35 عاماً، يتعرض هذا التوازن لاختبار قاس.
المسطحات الخضراء – التى خصصت لتكون متنفساً عاماً لكل الملاك – أصبحت فى بعض الحالات هدفاً مباشراً للبناء، وكأنها «أرض فائضة» بلا صاحب.
لكن الحقيقة مختلفة تماماً.
هذه المساحات ليست ملكاً فردياً، ولا تقع ضمن حدود التصرف الحر لأى مالك. إنها جزء أصيل من المخطط العام، تمثل حقاً مشتركاً لا يجوز الاستيلاء عليه تحت أى مبرر. البناء عليها دون ترخيص معتمد ليس مجرد مخالفة إجرائية، بل اعتداء صريح على التخطيط.. وعلى حقوق الآخرين.
الأخطر من ذلك، أن هذه التعديات لا تقف عند حدود المبنى نفسه، بل تمتد آثارها إلى ما هو أبعد: تشويه بصرى، فقدان للخصوصية، ضغط على المرافق، وتراجع تدريجى فى القيمة الحقيقية للمكان.
وهنا تظهر الأزمة الحقيقية: ليست فى المخالفة ذاتها، بل فى تحولها إلى «أمر واقع».
حين يصبح الخطأ شائعاً، يتحول فى نظر البعض إلى حق مكتسب.
وحين يغيب الردع، تفتح الأبواب لمزيد من التجاوزات، حتى نفقد القدرة على التمييز بين ما هو قانونى.. وما هو مفروض بالقوة.
القانون واضح ولا يحتمل التأويل:
لا بناء خارج الترخيص.
لا تغيير فى استخدام الأرض دون اعتماد رسمى.
لكن ما يحدث على الأرض يطرح تساؤلاً أكثر إلحاحاً:
أين الرقابة؟ وأين قرار الحسم؟
مارينا ٢ اليوم ليست فقط أمام أزمة بناء.. بل أمام اختبار حقيقى للإرادة.
– إما أن تستعيد هويتها كواحدة من أرقى نماذج التخطيط السياحى،.
– أو تواصل الانزلاق نحو عشوائية مقنّعة، تفقدها قيمتها تدريجياً.
المسطحات الخضراء لم تخلق ليبنى عليها بل لتبقى.. ومن يعتدى عليها، لا يضيف متراً إلى ملكه.. بل ينتقص من حق الجميع.
أخيراً.. يبقى التحدى الحقيقى ليس فى تنفيذ مشروعات جديدة، بل فى إدارة القائم منها على نحو يحترم العقود، ويصون الحقوق، ويعلى من سيادة القانون. فالمجتمعات لا تبنى فقط بالخرسانة، بل بالثقة.. والثقة لا تنشأ إلا حيث تحترم الحقوق.
[email protected].

