تناولت النصوص الفقهية والتفسيرية مسألة مقدار النجاسة المعفو عنها، وبيّنت اختلاف العلماء في تحديدها وضوابطها، كما استعرضت أقوال المذاهب في التفريق بين أنواع النجاسات ومدى التساهل في اليسير منها، وارتبط ذلك بقاعدة عامة مفادها تحقيق الطهارة مع مراعاة المشقة وعموم البلوى.
اختلاف الفقهاء في تقدير النجاسة المعفو عنها
عرضت كتب الفقه آراء متعددة حول مقدار النجاسة الذي يُعفى عنه في الصلاة، وقد بدأت الآراء الفقهية بتقرير أن المسألة محل اجتهاد بين العلماء، فذهب فريق إلى التشديد في إزالة النجاسة قليلها وكثيرها، بينما ميّز آخرون بين ما يُعفى عنه وما لا يُعفى، بحسب نوع النجاسة وموضعها. وقد استند هذا التباين إلى فهم النصوص الشرعية وتطبيقها على الوقائع المختلفة في حياة الناس اليومية.
تحديد الحنفية لمقادير النجاسة
وقرر فقهاء المذهب الحنفي تفصيلاً دقيقاً في هذا الباب، فبيّنوا أن النجاسة المغلظة مثل بول الآدمي والدم المسفوح والخمر يُعفى عن يسيرها إذا كان في حدود مقدار “الدرهم”، أي المساحة الصغيرة التي تُقارب حجم العملة، وأما ما زاد عن ذلك فلا يُتسامح فيه. واستندوا في ذلك إلى مراعاة عموم البلوى وصعوبة الاحتراز من اليسير في بعض الحالات، مع التأكيد على وجوب التطهير عند القدرة.
كما قرروا أن النجاسة المخففة، مثل بول ما يؤكل لحمه من الحيوانات، يُعفى فيها عما كان دون ربع الثوب أو ربع البدن، وذلك تخفيفاً ورفعاً للحرج عن المكلّف، مع بقاء أصل الحكم بوجوب الطهارة قائماً عند التمكن.
موقف جمهور العلماء من النجاسات
وذهب جمهور الفقهاء إلى أصل عام مفاده عدم العفو عن النجاسة قليلاً كانت أو كثيراً، ووجوب إزالتها عن البدن والثوب والمكان، مستدلين بعموم النصوص الآمرة بالطهارة. غير أنهم استثنوا حالات يسيرة دعت إليها الحاجة والمشقة، مثل يسير الدم والقيح الخارج من غير السبيلين، حيث عُفي عنه دفعاً للحرج، وكذلك ما لا يدركه البصر من آثار الدم اليسير الناتج عن الحشرات كالبعوض والبراغيث عند بعض الشافعية.
ضوابط اليسير والاستثناءات الفقهية
وقد استقر عند عدد من الفقهاء أن معيار العفو يرتبط باليسير الذي يشق التحرز منه عادة، إذ راعت الشريعة التوازن بين التكليف والطاقة البشرية، فرفعت الحرج عن المكلفين في المواطن التي يصعب فيها الاحتراز الدقيق، مع بقاء الأصل في وجوب الطهارة قائماً ومعتبراً في جميع الأحوال.
وجاءت النصوص القرآنية لتؤكد معنى الطاعة المطلقة لله ورسوله، حيث بيّنت أن طاعة الرسول هي من طاعة الله، وأن الالتزام بالأوامر والنواهي الشرعية هو أساس الامتثال، كما ورد في قوله تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر}، وهو توجيه يرسخ مبدأ البلاغ دون إكراه، ويؤكد أن وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم هي البيان والتذكير، لا السيطرة والإجبار.

