في ظل انتشار ظاهرة التسول في شوارع مصر، تبذل الأجهزة الأمنية جهودًا مكثفة لمكافحة هذه الظاهرة. وأثناء إجراء التحريات، تبين في بعض القضايا أن الطفل يُؤجر من قبل أحد والديه للمتسول، بهدف تحقيق مكاسب من خلال استغلال الأطفال في أعمال التسول.

التكيف القانوني لجريمة تأجير الأطفال للتسول

من الناحية القانونية، أوضح المحامي خالد رجب أن هذه الوقائع قد تشكل جريمة اتجار بالبشر متى ثبت أن الطفل سُلِّم أو استُخدم أو نُقل بغرض استغلاله في التسول مقابل منفعة مالية.

وقد نصت المادة (٢) من قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم ٦٤ لسنة ٢٠١٠ على أنه “يُعد مرتكبًا لجريمة الاتجار بالبشر كل من يتعامل بأية صورة في شخص طبيعي… إذا كان التعامل بقصد الاستغلال أيًا كانت صوره… بما في ذلك… التسول”. كما قررت المادة (٣) من القانون ذاته أنه “لا يشترط لتحقق الاتجار بالطفل استعمال أية وسيلة من الوسائل المشار إليها، ولا يعتد في جميع الأحوال برضائه أو برضاء المسؤول عنه أو متوليه”.

وتابع رجب: “بذلك فإن موافقة الأب أو الأم على تسليم الطفل أو تأجيره لا تنفي الجريمة ولا تعفيهما من المسؤولية الجنائية”. أما العقوبة فقد نصت المادة (٥) من قانون مكافحة الاتجار بالبشر على معاقبة مرتكب الجريمة بالسجن المشدد والغرامة، مع تشديد العقوبة في الحالات التي نص عليها القانون إذا اقترنت الجريمة بظروف مشددة.

ونوه المحامي خالد رجب إلى أنه من ناحية أخرى، نصت المادة (٩٦) من قانون الطفل رقم ١٢ لسنة ١٩٩٦ وتعديلاته على اعتبار الطفل معرضًا للخطر إذا وجد متسولًا. ويعد من أعمال التسول عرض سلع أو خدمات تافهة أو القيام بألعاب بهلوانية وغير ذلك مما لا يصلح موردًا جديًا للعيش، وهو ما يخول الجهات المختصة التدخل لحماية الطفل واتخاذ التدابير القانونية اللازمة.

وعن تساؤل حول مصير الطفل بعد إيداعه دار الرعاية، قال رجب: “لا.. فإيداع الطفل في إحدى مؤسسات الرعاية هو تدبير حماية وليس عقوبة ويستمر فقط طالما بقيت أسباب الخطر قائمة. يجوز إعادة الطفل إلى أسرته إذا ثبت للجهات المختصة زوال أسباب الخطر وقدرة الأسرة على توفير بيئة آمنة”. أما إذا استمر الخطر أو ثبت استمرار استغلال الأسرة له، فيظل الطفل تحت مظلة الحماية وفق ما تقرره الجهات المختصة ومحكمة الطفل تحقيقًا لمصلحته الفضلى.

واختتم قائلاً: “إن الطفل الذي تراه عند إشارة المرور ليس متهماً… بل هو غالباً ضحية جريمة، ويجب أن تتجه يد القانون إلى من استغل طفولته وجعلها وسيلة للربح”.

نصوص قانون مكافحة الاتجار وقانون الطفل وقانون العقوبات

وفي نفس السياق، كشفت نهى الجندي المحامية أن جريمة عرض الأطفال للإيجار بغرض التسول تعد من أبشع الجرائم التي شدد القانون المصري عليها وفق ثلاثة مواد قانونية مختلفة.

وأوضحت أن قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010 ينص في المادة 2 والمادة 15 على أنه يعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن خمس سنوات وغرامة تتراوح بين 50 ألف و200 ألف جنيه لكل من يستغل طفلًا في التسول كأحد صور الاتجار بالبشر.

وتابعت: “كما أن قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 نص في المادة 113 مكرر على الحبس لمدة لا تقل عن سنة وغرامة تتراوح بين 5000 و20 ألف جنيه لكل من استخدم طفلًا في أعمال التسول أو الخدمة المنزلية. كما تضمنت مادة 96 من قانون العقوبات عقوبة تعريض طفل للخطر بالحبس مدة لا تقل عن سنتين إذا نشأ عن التسول ضرر بدني أو نفسي”.

في حالة كون الجاني من أصول الطفل

وأوضحت أنه إذا كان الجاني أحد الأصول (الأب/الأم)، تزيد العقوبة للضعف لتصل إلى عشر سنوات سجن. أما في حالة وجود “مافيا منظمة”، تتحول الجريمة إلى اتجار بالبشر وتكون العقوبة السجن المؤبد. وفي حالة تعرض الطفل لإصابة أو اعتداء جنسي تصبح العقوبة السجن المؤبد أو الإعدام.

وكشفت الجندي عن مصير الأطفال بعد ذلك مشيرة إلى أن “مصلحة الطفل الفضلى” هي التي تتحكم وفق المادة الرابعة لقانون الطفل، حيث يتولى المجلس القومي للطفولة قضية الطفل ويتم إيداعه في دار رعاية تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي. يتم إعداد بحث اجتماعي ونفسي بواسطة لجنة من المجلس القومي للطفولة وتصيغ تقريراً خلال خمسة عشر يومًا يتضمن إجابات على تساؤلات مثل: هل الأهل خطر على الطفل؟ وفي حالة كون الأب هو مستغل الطفل يكون بذلك خطرًا؛ وهل هناك أسرة بديلة مثل الأجداد أو العم أو الخال؟ وأيضاً الحالة النفسية والتعليمية للطفل.

وأضافت: “وبناءً على ما سبق يصدر القاضي حكمه إما بتسليم الطفل لأسرة بديلة كفالة إذا لم توجد أسر آمنة، حيث يبقى مع الأسرة الكافلة حتى عمر الثامنة عشرة، أو إيداعه في دار رعاية حيث يتلقى التعليم والعلاج على نفقة الدولة حتى يبلغ الثامنة عشرة. كما يمكن عودته للأهل ولكن نادرًا ما يحدث ذلك وبشروط معينة مثل انتهاء فترة حبس الأب وتأكد المحكمة بأنه تاب وقادر على رعايته تحت إشراف اجتماعي لمدة ثلاث سنوات مع توقيع تعهد بالرعاية. وفي حالة معاودة الأب لاستغلاله يُعاقب بالحبس وإيداع الطفل نهائيًا مدى الحياة.”.