تتسابق دول العالم اليوم على تثبيت موقعها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، تمامًا كما فعلت سابقًا مع توطين الصناعة واستغلال التجارة الرقمية واللحاق بالثورة الصناعية الرابعة. غير أن هذا السباق يحمل صعوبة خاصة: كيف تقيس دولة ما مدى استعدادها الحقيقي لهذا التحول، بينما تتغير قواعد اللعبة نفسها كل شهر تقريبًا؟

التقنية تتطور بسرعة تفوق قدرة المؤسسات الدولية على تحديث مقاييسها، مما يجعل أي محاولة لرصد الجاهزية أشبه بمحاولة تصوير هدف يتحرك باستمرار. فالتحول من الكلام إلى الفعل لا يعني أن القياس عبث، بل يتطلب فهمًا أعمق من مجرد النظر إلى الأرقام والترتيب النهائي.

من بين أكثر من عشرين مؤشرًا عالميًا يحاول قياس هذا الاستعداد، يبرز اثنان بوضوح لأنهما يقيسان زوايا مختلفة وتكميليتين من الصورة. الأول هو مؤشر صندوق النقد الدولي للجاهزية للذكاء الاصطناعي، الذي ينظر إلى الاقتصاد بأكمله: كيف يتفاعل القطاع الخاص مع التقنية؟ وهل سوق العمل مهيأ لاستيعاب المهارات الجديدة؟ وهل المؤسسات القانونية والتنظيمية قادرة على مواكبة هذا التحول؟

الثاني هو مؤشر أكسفورد إنسايتس للجاهزية الحكومية، الذي يركز بشكل أضيق وأكثر تحديدًا على قدرة الحكومة والقطاع العام على استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة المواطنين، بدءًا من الخدمات الرقمية وصولاً إلى صنع السياسات.

لكل مؤشر منطقه الخاص وحدوده. يتميز مؤشر صندوق النقد الدولي بنظرته الشاملة والمتوازنة التي توزع الاهتمام على أركان الاقتصاد الأربعة بالتساوي (البنية التحتية الرقمية، رأس المال البشري، الأطر التنظيمية، والسياسات الاقتصادية). إلا أنه يعتمد على بيانات اقتصادية كلية تقليدية قد لا تلتقط بدقة التغير النوعي السريع الذي يحدث في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

أما مؤشر أكسفورد إنسايتس فهو أكثر دقة وتوجهًا نحو السياسات العامة، حيث يقوم بتحديث منهجيته بشكل دوري لمواكبة التطورات. لكنه في المقابل قد يمنح دولًا ما نقاطًا مرتفعة بناءً على وعود استراتيجية وخطط معلنة، دون أن يعكس بالضرورة ما يحدث فعليًا على الأرض.

وهنا يكمن جوهر المشكلة: فقد تبدو نفس الدولة (المحروسة) جاهزة جدًا في مؤشر ومتأخرة نسبيًا في آخر، بحسب الزاوية التي يقيسها كل مؤشر.

هذا هو بالضبط تعريف الهدف المتحرك. فتصميم أي مقياس عالمي يواجه معضلة بنيوية: المؤشرات عادةً ما صُممت لقياس بنية تحتية شبه ثابتة مثل سرعة الإنترنت أو عدد الحواسيب أو معدلات الالتحاق التعليمي، وهي أمور تتغير بمعدلات سنوية بطيئة نسبيًا.

بينما يتطور الذكاء الاصطناعي التوليدي بمعدل شهري أو حتى أسرع في بعض الأحيان، حيث تظهر نماذج جديدة وقدرات مختلفة كل بضعة أسابيع. لذا فإن المؤشر بحكم طبيعته يرصد صورة فوتوغرافية لحظية لواقع ينبغي أن يتم تصويره كفيديو لأنه سرعان ما يتغير.

في المشهد العربي، تتصدر دول الخليج مثل السعودية والإمارات بفضل استثمارات حكومية ضخمة وبنية تحتية رقمية متطورة تم بناؤها على مدى سنوات. أما المحروسة فتقف في موضع أكثر تعقيدًا يمكن وصفه بالمفارقة المصرية.

فمن ناحية أظهرت مصر تقدمًا لافتًا على الجانب التنظيمي ووضع السياسات، حتى حصلت على درجة كاملة عالميًا في القدرة على تصميم السياسات ضمن مؤشر أكسفورد إنسايتس لعام 2025 بفضل الاستراتيجيات الوطنية المعلنة للذكاء الاصطناعي والجهود التشريعية المصاحبة لها. لكن من ناحية أخرى تواجه مصر تحديات حقيقية في التنفيذ والتبني الفعلي مقارنة بالدول المتقدمة في هذا المجال.

هذه المفارقة ليست تفصيلًا فنيًا بل هي جوهر القصة. الفجوة الحقيقية التي تواجهها مصر ليست غياب الرؤية أو الطموح بل تحويل هذه الخطط الاستراتيجية الممتازة على الورق إلى واقع رقمي ملموس يشعر به المواطن العادي في تعامله مع الجهات الحكومية ورجل الأعمال في مصنعه أو شركته والمزارع في حقله.

أن تكتب استراتيجية وطنية طموحة أمر مهم بلا شك ولكن تحويل هذه الاستراتيجية إلى خدمات فعلية وإنتاجية حقيقية ووظائف جديدة هو الاختبار الحاسم الذي يحدد مستقبل أي دولة في هذا السباق. وهذا ما سنحاول المساعدة فيه اليوم.

إذا كانت المحروسة تريد أن تحول تفوقها التنظيمي إلى تفوق فعلي في التبني والتنفيذ فإن الطريق يتطلب تحركًا على عدة محاور متزامنة وليس محور واحد معزول عن الباقي.

أولا: الانتقال من الاستراتيجيات إلى الاستخدام الفعلي.

الاستراتيجيات الوطنية المعلنة قيمة كبيرة لكنها تبقى بلا معنى حقيقي إن لم تترجم إلى حوافز ملموسة تدفع الشركات والمصانع والمزارع لتبني أدوات الذكاء الاصطناعي في عملها اليومي. فالقطاعات الإنتاجية وخاصة الزراعة والصناعة تحتاج إلى برامج دعم مباشرة تساعدها على استخدام تقنيات التنبؤ بالمحاصيل وتحسين خطوط الإنتاج وخفض الفاقد وزيادة الجودة. هذا التحول من الخطاب الإداري إلى الممارسة اليومية هو ما يفرق بين دولة تكتب (أو تتكلم) عن المستقبل ودولة تصنعه.

ثانيا: الاستثمار في البيانات المحلية والنماذج العربية.

من دون بيانات مصرية وعربية موثوقة ومنظمة ستبقى مصر معتمدة على نماذج ذكاء اصطناعي مدربة أساساً على بيانات ولغات وسياقات مختلفة عن سياقها المحلي وهو ما يحد من دقة هذه النماذج وفائدتها الحقيقية في الاستخدامات اليومية. دعم تطوير نماذج مدربة على المحتوى العربي المصري تحديداً بدءاً من اللغة العربية المستخدمة في الخدمة الحكومية وحتى بيانات الأسواق والزراعة المحلية يضمن قدر أكبر من الاستقلالية التقنية ويمنع مصر من أن تصبح مجرد مستخدم نهائي بلا تأثير يذكر في تصميم هذه الأدوات.

ثالثا: سد الفجوة بين الخريجين الأكاديميين وسوق العمل.

واحدة من أكبر المفارقات في الجامعات المصرية اليوم هي أن الكثير من المناهج لا تزال تدرّس مفاهيم نظرية بعيدة عن المهارات التطبيقية المطلوبة فعلياً لسوق العمل بمجال الذكاء الاصطناعي. تحديث المناهج بشكل متسارع وربط الجامعات بشركات القطاع الخاص عبر برامج تدريب وتأهيل عملية وتوسيع فرص التعلم المستمر لمن هم خارج مقاعد الجامعة كلها ضرورية لبناء كادر بشري قادر على استيعاب هذه التقنيات وتوظيفها بوظائف حقيقية بدل أن يبقى الخريجون يبحثون عن فرص لا تتناسب مع ما تعلموه.

رابعا: تعزيز الشفافية التنظيمية عبر الصناديق التنظيمية.

اعتماد آليات مرنة تعرف بالصناديق التنظيمية أو Regulatory Sandboxes يسمح للشركات الناشئة والمبتكرين بتجربة تقنياتهم الجديدة في بيئة محكومة وآمنة دون التعرض فوريًّا لكامل القيود القانونية التي قد تخنق الابتكار خلال مراحله الأولى. وقد نجحت هذه الآلية بالفعل في قطاعات أخرى مثل التكنولوجيا المالية ويمكن تكرار نجاحها أيضًا بمجال الذكاء الاصطناعي مما يشجع رواد الأعمال المصريين على الإبداع والتجربة قبل فرض منظومة تشريعية جامدة تحدّ من قدرتهم التنافس عالميًّا.

خامسا: إصدار تأشيرة الرحالة الرقميين.

تأشيرة الرحالة الرقميين ليست مجرد برنامج سياحي بل تحولت لأداة اقتصادية استراتيجية تجذب المواهب العالمية ورؤوس الأموال الأجنبية. وقد أثبتت دول مثل تايلاند وباربادوس نجاح هذه الفئة كمحرك قوي للإنفاق والابتكار مع ضمان عدم التأثير سلباً على سوق العمل المحلي. سأخصص المقالة القادمة لهذا المقترح الذي أرى أنه جديد علينا ولكنه سيخدم الانتقال لعصر الذكاء الاصطناعي.

في النهاية الرسالة الأساسية بسيطة وحاسمة: المحروسة لديها أساس تنظيمي وسياسي متقدم بالفعل وهذا إنجاز لا ينبغي التقليل من شأنه لكنه غير كافٍ وحده. المرحلة القادمة تتطلب شجاعة لتنفيذ واستثمار حقيقي بالبيانات والكوادر وجرأة تشريعية تفتح المجال للتجربة والابتكار.