مجانية التعليم تُعتبر واحدة من أهم قرارات ثورة 23 يوليو، حيث يراها البعض إعادة تعريف شاملة للمواطنة والمجتمع في مصر. فمن مقولة طه حسين الشهيرة التي شبه فيها العلم بالماء والهواء، انطلقت الدولة المصرية لتأسيس حق قانوني واجتماعي أتاح لأبناء الفلاحين والعمال صعود السلم الاجتماعي، وشكل الهيكل الأساسي للطبقة المتوسطة المصرية طوال العقود اللاحقة. فما هي الكواليس الحقيقية لهذا الملف؟

جذور الفكرة: من طه حسين إلى ثورة 23 يوليو

قبل عام 1952، كان التعليم في معظم مستوياته يقتصر على القادرين ماديًا، حيث كانت المصروفات الدراسية تشكل عائقًا أمام غالبية الأسر في الريف والمدن. ورغم أن عميد الأدب العربي طه حسين وضع اللبنة الأولى لمجانية التعليم الابتدائي والثانوي عندما تولى وزارة المعارف عام 1950، إلا أن التغيير الحقيقي والواسع تمثل في تعميم المجانية الشاملة وتوسيعها لتشمل التعليم الجامعي والعالي في ستينيات القرن الماضي.

يوضح الدكتور عاصم الدسوقي في أبحاثه حول تاريخ مصر الاجتماعي أن القرار أحدث نقلة نوعية في نظرة المجتمع للتعليم، حيث تحول الفرد إلى عنصر فعال يمتلك فرصة حقيقية للترقي الاجتماعي والمنافسة على شغل الوظائف العليا في الدولة. وقد شكلت مجانية التعليم الآلية الرئيسية التي اعتمدت عليها الدولة المصرية لبناء كادرها الإداري والصناعي والعلمي.

التعليم العالي في رؤية يوليو

فتحت ثورة 23 يوليو أبواب الجامعات بالمجان أمام ملايين الطلاب للالتحاق بكليات الطب والهندسة والتربية، مما أثمر عن ظهور أجيال كاملة من الأطباء والمهندسين والمعلمين والإداريين الذين أداروا مؤسسات الدولة الحديثة ومصانعها الكبرى.

تشير الدكتورة منار الشوربجي في دراساتها حول التحولات الاجتماعية في مصر إلى أن مجانية التعليم لم تكن مجرد مكرمة اجتماعية، بل كانت استثمارًا سياسيًا ذا أثر عميق على تاريخ مصر الحديث، حيث أعادت توزيع القوة داخل المجتمع وخلقت طبقة متوسطة واسعة أصبحت حائط الصد الثقافي والاجتماعي للبلاد لعقود طويلة.

أزمة التعليم المجاني: أسباب تحولات العقود الأخيرة

مع الوقت والزيادة السكانية المتلاحقة، بدأت المجانية تواجه تحديات هيكلية ومعقدة أثرت على جودتها وكفاءتها. فقد شهدت المدرسة الحكومية تراجعًا تدريجيًا في قدرتها الاستيعابية والتمويلية، مما أدى إلى ظهور الكثافات العالية في الفصول وتراجع الدور التنويري للمؤسسة التعليمية لصالح ظاهرة الدروس الخصوصية التي أصبحت تستنزف ميزانيات الأسر المصرية.

يوضح الدكتور جلال أمين الكاتب والمؤرخ أن المجانية تحولت مع الوقت من مجانية حقيقية توفرها الدولة بكفاءة إلى مجانية شكلية تكملها الأسر من دخلها الخاص لتغطية تكاليف التعليم الموازي. وهذا شكل عبئًا جديدًا على نفس الطبقة المتوسطة التي ولدت من رحم هذا القرار.

وحسب خبراء، يقف ملف التعليم اليوم عند مفترق طرق بين الحفاظ على مبدأ العدالة والمجانية ومتطلبات التحديث والجودة وشروط سوق العمل العالمي. ومع ذلك يبقى التحدي الأكبر هو كيفية تحقيق التوازن الصعب بين كفالة حق التعليم للجميع من جهة وتوفير موارد مالية تضمن جودة المخرجات وصياغة نظام يواكب تحولات الاقتصاد والتكنولوجيا من جهة أخرى. فهذا الملف كان ولا يزال المحرك الأساسي للمجتمع المصري حيث يبقى حلم التعليم القوي والمتاح للجميع هو الرهان الأول لبناء المستقبل واستعادة حيوية الطبقة المتوسطة.