تتواجد على حدود محافظة الوادي الجديد أرض واحاتية فريدة، غمرتها الحمم البركانية بطبقة سوداء كثيفة، لتروي قصة جيولوجية تمتد عبر ملايين السنين. يعتبرها زوارها “كنز مهمل”، إذ تجمع بين جمال الطبيعة الأخاذ والقيمة التاريخية الفريدة، بدءًا من التلال البركانية متعددة الألوان، مرورًا بالأطلال البريطانية التي تعود لأكثر من قرن، وصولًا إلى هياكل الديناصورات التي تُعتبر من بين الأضخم عالميًا.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على أبرز ملامح هذه الأرض الداكنة، بدءًا من نشأتها الجيولوجية، مرورًا بأهم معالمها، وصولًا إلى واقعها الحالي كوجهة سياحية واعدة تنتظر المزيد من الاهتمام.
تقع المنطقة بين الواحات البحرية والفرافرة شمال محافظة الوادي الجديد، على بُعد نحو 50 كيلومترًا جنوب مدينة الباويطي. تمتد لمسافة تقارب 70 كيلومترًا وتغطيها طبقة من المسحوق البركاني الأسود الناتج عن تآكل الصخور بفعل براكين خامدة منذ ملايين السنين.
أوضح الدكتور أحمد بدران، أستاذ الآثار بجامعة القاهرة، أن اللون الداكن الذي يكسو جبال المنطقة يعود إلى انفجارات بركانية حدثت قبل نحو 180 مليون سنة خلال العصر الجوراسي. وأضاف أن صخور المنطقة تتكون من البازلت والديوريت والحجر الجيري وأكاسيد الحديد، مما يمنحها تدرجات لونية تتراوح بين الأسود والأحمر والبرتقالي.
تضم المنطقة عددًا من الجبال والتكوينات الجيولوجية ذات القيمة التاريخية والطبيعية، ومن أبرزها:
– جبل المرصوص: فوهة بركانية تمتد على مساحة تقارب كيلومترين مربعين تغطيها أعمدة بازلتية منتظمة.
– جبل البانوراما: يعد من أبرز المواقع التي يقصدها المصورون لما يوفره من إطلالة واسعة على امتداد الصحراء.
– جبل الإنجليز: أعلى نقاط المنطقة بارتفاع يصل إلى نحو 200 متر ويقع بين قرية منديشة ومدينة الباويطي. ويعلوه موقع مراقبة أنشأه الكابتن “ويلمز” من الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى لمتابعة تحركات القوات السنوسية ويضم ثلاث غرف وحمامًا وبئر مياه رومانية.
– جبال أخرى مميزة: تشمل أيضًا جبل الزقاق بتدرجاته الذهبية وجبل الأهرامات الذي يشبه في تكوينه أهرامات الجيزة إلى جانب جبال الحفوف وشحوت وجالة سيوة.
ويؤكد المؤرخ إبراهيم خليل ومحسن عبد المنعم الصايغ، مدير هيئة تنشيط السياحة بالوادي الجديد، أن هذه المعالم تمثل رموزًا جغرافية وثقافية ذات قيمة تاريخية لا تقل أهمية عن قيمتها الطبيعية.
أُعلنت المنطقة محمية طبيعية عام 2010 جنبًا إلى جنب مع الواحات البحرية بهدف الحفاظ على تنوعها البيئي والجيولوجي حيث تضم نباتات وحيوانات نادرة فضلًا عن عيون مياه كبريتية ومعدنية تستخدم في السياحة العلاجية والاستشفاء.
وأشار الدكتور عبد المنعم حنفي، أستاذ الجغرافيا بجامعة بورسعيد، إلى أن أطراف المنطقة وتحديدًا عند جبلي الدست والمغرفة شهدت عام 2000 اكتشاف ثاني أضخم هيكل عظمي لديناصور في العالم مما يمنحها أهمية علمية وبحثية على المستوى الدولي.
يرى خبراء السفاري ومن بينهم محمد محسن وإسلام سفاري أن المنطقة تمثل واحدة من أجمل وجهات التخييم والسفاري في مصر خاصة خلال أوقات الغروب والليالي المقمرة على الطريق الرابط بين الواحات البحرية والفرافرة.
وفي المقابل حذر الباحث الجيولوجي الحسيني محمد من استمرار جمع وتهريب المسحوق البركاني الأسود دون رقابة مطالبًا بإجراء دراسات علمية على صخور المنطقة الغنية بالمعادن لتقييم قيمتها الاقتصادية.
كما دعا خالد حسن مدير الهيئة الإقليمية لتنشيط السياحة إلى تحويل المنطقة إلى منتجع بيئي عالمي يوفر فرص عمل للشباب مؤكدًا ضرورة تعزيز الوعي المؤسسي بأهمية هذه المنطقة التي لا تزال تعاني ضعف الاستغلال رغم إعلانها محمية طبيعية منذ أكثر من عقد.
ويختتم المؤرخ إبراهيم خليل حديثه قائلًا: “من يزور هذه الأرض يعود إليها مرة بعد أخرى فهناك شيء غامض وساحر يسكن القلب لكنها تحتاج فقط إلى يد تمتد لكشف كنوزها.”
بين الجبال البركانية والأطلال البريطانية وهياكل الديناصورات تظل الصحراء الداكنة في الوادي الجديد نموذجًا فريدًا لثروة طبيعية وتاريخية تستحق اهتمام أكبر لتحويلها إلى واحدة من أهم وجهات السياحة البيئية في مصر والعالم.

