يقول المثل المصري: “التاجر لما يفلس يدور في دفاتره القديمة”. لكن ماذا لو كانت الدفاتر حديثة، وكان لدى التاجر ملايين الدولارات وهو في أمس الحاجة لأقل القليل؟!
ماذا لو أخبرتك أن الصحافة تشبه “المليونير الشحات”؟ تبدو كفأر يدور بلا توقف داخل عجلة الاحتياج: تلاحق النقرات، تبحث عن الإعلانات، تخفض التكاليف، وتطلب من الصحفيين العمل أكثر. لكنها في الحقيقة تملك ثروة تهدرها يوميًا، بينما يحقق آخرون مليارات الدولارات من القيمة التي تصنعها. لنطرح السؤال بشكل أوضح: ماذا لو كانت المشكلة ليست أن الصحافة لا تملك المال، بل أنها لا تعرف قيمة ما تملكه؟
فالخبر الذي ينتجه الصحفي ليس مجرد نص ينتهي أثره بمجرد نشره على الموقع. إنه أصل معرفي كلف المؤسسة أموالًا لإنتاجه: صحفي ومراسل ومحرر ومصور، ومصادر، وتحقق، وأرشيف، وقواعد بيانات، وسنوات من التراكم المهني. ثم تأتي محركات البحث والمنصات وشركات الذكاء الاصطناعي لتبني فوق هذه المعرفة قيمة أخرى: تجذب بها المستخدمين، وتحسن بها نتائج البحث، وتقدم بها إجابات، وتطور بها منتجات جديدة.
وهنا يجب أن يتغير السؤال في صالات التحرير.. ليس: كيف تمنع الصحافة الآخرين من استخدام محتواها؟ بل: كيف تحصل الصحافة العربية على نصيب عادل من القيمة الاقتصادية التي تُبنى فوق هذا المحتوى؟
التجربة الأسترالية.. الإلهام الغائب عربياً.
في عام 2021 أطلقت أستراليا “News Media Bargaining Code” بهدف معالجة اختلال القوة التفاوضية بين المؤسسات الإخبارية والمنصات الرقمية الكبرى. وخلق حوافز تدفع المنصات إلى إبرام اتفاقات تجارية مع الناشرين مقابل استخدام محتواهم.
وبعد دخول النظام حيز التنفيذ، أبرمت Google وMeta عشرات الاتفاقات مع المؤسسات الإعلامية الأسترالية. حيث دخلت Google في 20 اتفاقًا وMeta في 14 اتفاقًا بنهاية 2021، بينما تجاوز إجمالي التمويل الذي حصلت عليه المؤسسات الإخبارية نتيجة هذه الاتفاقات 200 مليون دولار أسترالي.
والأهم أن الأموال لم تبق مجرد رقم في ميزانيات المؤسسات. قالت هيئة الإذاعة الأسترالية ABC إن اتفاقاتها مع Google وMeta سمحت لها بتوسيع خدمات الأخبار الإقليمية، وتوظيف 60 صحفيًا إضافيًا، وإنشاء وجود في 10 مواقع جديدة.
أي أن المعادلة أصبحت:
المحتوى الصحفي + قوة تفاوضية = أموال = صحفيون جدد = صحافة أكثر.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تتوقف عندها الصحافة العربية طويلًا.
التجربة الأسترالية تحمل درسًا آخر أيضًا: القوة التفاوضية مهمة بقدر أهمية قيمة المحتوى نفسه. فالتجربة لم تكن مثالية؛ إذ ذهبت نسبة كبيرة من الأموال إلى المؤسسات الإعلامية الكبرى. كما أعلنت Meta لاحقًا أنها لن تجدد بعض الاتفاقات الأسترالية المتعلقة بالأخبار.
وهذا يعني أن مجرد سن القواعد لا يكفي؛ المطلوب نموذج تفاوضي مستدام يضمن وصول القيمة إلى أكبر عدد ممكن من الناشرين.
أوروبا.. مسار آخر لتسعير المحتوى
رفضت أوروبا أن تتعامل المنصات مع المحتوى الصحفي باعتباره مجانيًا إلى الأبد. وأنشأت توجيهات حقوق الطبع والنشر في السوق الرقمية الأوروبية إطارًا جديدًا لحقوق ناشري الصحافة. وبدأت Google من جانبها بإبرام اتفاقات ترخيص مع الناشرين الأوروبيين.
وفي يونيو 2023، أعلنت Google أن اتفاقات الترخيص الخاصة بها أصبحت تغطي أكثر من 1500 منشور في 15 دولة أوروبية. ثم أعلنت لاحقًا أن برنامج الترخيص الأوروبي أصبح يغطي أكثر من 4000 منشور في 20 دولة.
المهم هنا ليس موقف Google أو حجم ما دفعته تحديدًا، وإنما التحول في الفكرة:
المحتوى الصحفي يمكن أن يكون شيئًا يُرخص وليس مجرد شيء يُستهلك.
وهذا فارق جوهري. فالصحافة العربية تتعامل غالبًا مع المقال بوصفه منتجًا نهائيًا يُعرض على الموقع وينتظر الإعلان أو الاشتراك.
لكن هناك طبقة أخرى من القيمة يمكن بناؤها حوله:
النص + الأرشيف + البيانات + المحتوى المهيكل + حقوق الاستخدام + واجهات البرمجة + الترخيص. وهنا يبدأ الاقتصاد الحقيقي للمحتوى.
في أمريكا.. كم تساوي الأخبار؟
في الولايات المتحدة، ذهبت بعض الدراسات أبعد من ذلك وحاولت حساب القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تستحقها المؤسسات الإخبارية مقابل استخدام محتواها على Google وFacebook.
دراسة بحثية صادرة عن Initiative for Policy Dialogue بجامعة كولومبيا قدرت ما يمكن أن تستحقه المؤسسات الصحفية الأمريكية بنحو 11.9 إلى 13.9 مليار دولار سنويًا إذا جرى احتساب القيمة التي تولدها الأخبار للمنصات وفق منهجية الدراسة. وهذا الرقم تقدير بحثي وليس مبلغًا دفعته الشركات بالفعل؛ وهي نقطة مهمة حتى لا تتحول الأرقام إلى مبالغات صحفية.
لكن أهمية الرقم ليست فقط في دقته بالنسبة للسوق الأمريكية؛ بل لأنه يطرح السؤال الذي لم تطرحه الصحافة العربية بما يكفي:
إذا كانت الأخبار تخلق قيمة اقتصادية للمنصة فلماذا نتعامل معها باعتبارها مجرد تكلفة إنتاج تتحملها المؤسسة الصحفية وحدها؟
من “المليونير الشحات” إلى “المليونير المفاوض”.. القوة التي تنقص الصحافة العربية
الصحافة العربية لا تحتاج فقط إلى حماية محتواها من عمالقة التكنولوجيا؛ بل تحتاج أيضًا إلى تحويله إلى أصل اقتصادي قابل للقياس والترخيص والتفاوض.
والمشكلة ليست فقط في أن عمالقة التكنولوجيا أقوى؛ بل إن الناشر العربي يدخل غرفة التفاوض منفرداً بينما يدخل الطرف الآخر ببيانات ضخمة وقدرة تقنية ومحامين وخبراء اقتصاديين وأرقام دقيقة عن قيمة كل شيء.
وإذا كان الموقع الصغير لا يستطيع التفاوض بمفرده فلماذا لا يتفاوض الناشرون مجتمعين؟
تحالف الناشرين الرقميين العرب
لا أتحدث هنا عن كيان احتفالي جديد يضيف شعارًا آخر إلى المشهد الإعلامي العربي؛ بل عن تحالف تفاوضي اقتصادي يجمع المواقع والمؤسسات الإخبارية العربية بهدف واحد: تحويل المحتوى الصحفي العربي من مادة تُستخدم إلى أصل اقتصادي يمكن قياسه وترخيصه والتفاوض على قيمته.
والتجربة الأسترالية تقدم سابقة مهمة؛ فقد سمحت السلطات الأسترالية لـCountry Press Australia التي تمثل ناشرين إقليميين بالتفاوض جماعيًّا مع Google وFacebook كما سمحت لمجموعات من الناشرين الصغار بالتفاوض بصورة جماعية. وهذا بالضبط ما تحتاجه المؤسسات العربية الصغيرة والمتوسطة.
فبدلًا من أن يقول كل موقع: “ماذا يمكن أن أحصل عليه من Google؟” يصبح السؤال: “ما قيمة المحتوى الصحفي العربي الذي نمثله مجتمعين وما الشروط التي نريدها لاستخدامه؟”
ماذا يجب أن يفعل التحالف؟
لا يبدأ التفاوض بالمطالبة بالمال بل يبدأ بقياس الثروة وثمن المواد الأولية عالية التكلفة التي تقدمها المواقع العربية لعمالقة التكنولوجيا.
- أولاً: جرد الأصول
- كم تنتج المؤسسات العربية من:
- الأخبار؟
- التقارير؟
- التحقيقات؟
- الصور والفيديو؟
- الأرشيف؟
- قواعد البيانات؟
- المحتوى الاقتصادي والرياضي؟
- المحتوى المحلي؟
- البيانات الانتخابية والاقتصادية؟
- المحتوى المهيكل؟
-
ثانيًا: قياس الاستخدام
- من يستخدم هذا المحتوى؟
- وكيف؟
- وأين يظهر؟
- وكم مرة يستخرج أو يعاد تقديمه؟
- وما القيمة التي يضيفها إلى محرك البحث أو منصة الذكاء الاصطناعي أو المنتج الرقمي؟
-
ثالثاً: بناء معيار عربي للقيمة
-
لا يمكن أن يكون سعر المحتوى مرتبطاً بعدد المقالات فقط. يجب أن يدخل في الحساب:
حجم الاستخدام + الوصول + التخصص + جودة المحتوى + الأرشيف + البيانات + حقوق الترخيص + القيمة المضافة للمنصة. -
رابعاً: إنشاء سوق ترخيص
-
ترخيص المحتوى
ترخيص الأرشيف
ترخيص البيانات
المحتوى المهيكل
واجهات برمجة تطبيقات الأخبار News APIs
الاستخدام في منتجات الذكاء الاصطناعي
إعادة الاستخدام التجاري.

