نبض الكلمات.

الخميس 23/يوليو/2026 – 10:00 ص 7/23/2026 10:00:37 AM.

في كل مرة يتوقف فيها مواطن أمام إشارة مرور أو يمر بمحطة قطار أو مدخل مسجد، قد يصادف رجلًا أو امرأة تجاوزا الستين أو السبعين من العمر يطلبان المساعدة. قد تختلف الأسباب والظروف من شخص لآخر، لكن المشهد نفسه يثير سؤالًا مؤلمًا: كيف يصل بعض من أفنوا أعمارهم في العمل وتربية الأجيال إلى هذه المرحلة من الاحتياج؟ إن وجود كبار السن بين المتسولين أو في أوضاع إنسانية صعبة ليس مجرد قضية فقر، بل هو انعكاس لتحديات اجتماعية واقتصادية متشابكة. فضعف الدخل، وتآكل القدرة الشرائية، وغياب العائل لدى البعض، والتفكك الأسري، والعزلة الاجتماعية، كلها عوامل قد تدفع بعض المسنين إلى طلب المساعدة في الشوارع، بينما قد يقع آخرون ضحية لشبكات تستغل ضعفهم وتدفعهم إلى التسول لتحقيق مكاسب غير مشروعة. والمؤلم أن المجتمع الذي يكرم أبناءه في سنوات العطاء لا ينبغي أن يتركهم في سنوات الضعف يواجهون الحاجة وحدهم. فكرامة المسن ليست قضية إحسان، بل حق إنساني وأخلاقي تكفله القيم والدستور والقانون.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون فقط بإبعاد المتسولين عن الشوارع، وإنما بمعالجة جذور المشكلة؛ عبر تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وتحسين دخول الفئات الأكثر احتياجًا، وتوفير خدمات الرعاية المنزلية والصحية للمسنين، وتوسيع دور الرعاية التي تحفظ الكرامة، وتفعيل الرقابة على أي شبكات تستغل كبار السن في أعمال التسول مع محاسبة كل من يثبت تورطه في استغلالهم.

ويبقى الدور الأكبر للأسرة والمجتمع؛ فالمسن لا يحتاج إلى المال فقط، بل يحتاج إلى الاحتواء والاحترام والشعور بأنه ما زال جزءًا فاعلًا من الحياة. فالأمم لا تُقاس فقط بما تشيده من مبانٍ وإنما بكيفية تعاملها مع أكثر فئاتها ضعفًا. إن حماية كبار السن ليست مسؤولية وزارة أو مؤسسة بعينها بل مسؤولية مجتمع بأكمله. حين يضطر مسن إلى مد يده طلبًا للقوت فإن القضية لا تخصه وحده بل تفرض على الجميع مراجعة منظومة الرعاية والتكافل حتى لا تصبح الشيخوخة مرادفًا للوحدة أو الحاجة بل مرحلة تُصان فيها الكرامة ويُرد فيها الجميل لمن صنعوا حاضر هذا الوطن.

ما أقسى أن يبلغ الإنسان خريف العمر بعدما أفنى شبابه في الكد والعطاء ثم يجد نفسه وحيدًا يطارد دفء الرحمة في زحام الأرصفة. وجوه أنهكها الزمن وظهور أثقلها العمر وعيون لا تبحث عن المال بقدر ما تبحث عن يدٍ حانية أو كلمة وفاء أو ابنٍ يتذكر أن هذه اليد المرتعشة كانت يومًا تمسك بيده خوفاً عليه من السقوط. ليس الفقر وحده هو ما يدفع بعض كبار السن إلى الشوارع بل إن أقسى أنواع الفقر هو فقر القلوب. حين يغيب السند ويذبل الحنان ويُترك الأب أو الأم يواجهان المرض والوحدة والعجز تتحول الشيخوخة من مرحلة تستحق التكريم إلى رحلة مؤلمة يثقلها الانتظار والخذلان.

أي قسوة تلك التي تجعل أبًا ربّى وأنفق وضحّى أو أما سهرت الليالي وربّت الأجيال ينتهيان إلى مقعدٍ على رصيف أو زاوية شارع يواجهان حر الصيف وبرد الشتاء ومخاطر المرض والوحدة؟ إنها صور تهز الضمير وتدعو إلى مراجعة مسؤوليات الأسرة والمجتمع معًا.

إن كبار السن ليسوا عبئًا على الحياة بل هم ذاكرة الوطن وجذوره وحكاياته التي لا ينبغي أن تُنسى. وإذا كانت الظروف قد تدفع بعضهم إلى الحاجة فإن واجب المجتمع هو أن يمد إليهم يد الكرامة لا يد الشفقة وأن يوفر لهم رعاية تحفظ إنسانيتهم ودعمًا يصون ما تبقى من أعمارهم؛ فالأوطان لا تُقاس فقط بما تشيده من عمران بل بما تمنحه لشيوخها من أمان. وحين يصبح بعض الآباء والأمهات أسرى للوحدة أو الحاجة فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا وصلوا إلى هنا؟ بل: أين كنا نحن عندما كانوا في أمسّ الحاجة إلينا؟ اللهم ارحم كل قلبٍ أنهكه العمر وأثقلته الوحدة وأوجعته قسوة الأيام. اللهم كن عونًا لكل أبٍ وأمٍ ذاقا مرارة الجحود أو فقدا دفء السند أو وجدا نفسيهما يواجهان المرض والضعف دون يدٍ تمتد إليهما بالرحمة.