كان من المفترض أن يبقى كأس العالم مساحة تجمع الشعوب تحت راية المنافسة الرياضية، حيث تختفي الحدود السياسية أمام شغف الجماهير، ويصبح الانتماء الوحيد للمهارة والروح الرياضية. إلا أن السنوات الأخيرة كشفت عن واقع مختلف، إذ أصبحت السياسة تتسلل إلى الملاعب، فتختطف الأضواء من اللاعبين، وتحول البطولة إلى منصة لتصفية الحسابات وفرض الأجندات.

إن تدخل السياسة في كأس العالم لا يخدم الرياضة، بل يطعنها في جوهرها. فبدلاً من أن تتحدث الجماهير عن الأهداف والخطط الفنية والنجوم الصاعدين، تجد نفسها أسيرة قرارات سياسية ومواقف دبلوماسية وعقوبات ومقاطعات وضغوط تمارسها دول ومنظمات لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بكرة القدم. وهكذا تتحول البطولة الأكبر في العالم إلى ساحة صراع تتراجع فيها قيم العدالة والمنافسة النزيهة.

الأسوأ من ذلك أن بعض القوى الدولية تحاول فرض رؤيتها على الاتحادات الرياضية، فتستخدم كرة القدم أداةً للضغط السياسي أو لتسجيل نقاط في معاركها الخارجية. هذا النهج يهدد استقلال المؤسسات الرياضية ويقوض المبدأ الذي قامت عليه الرياضة العالمية، وهو الفصل بين السياسة والمنافسة الرياضية. فإذا أصبحت القرارات تُتخذ وفق حسابات سياسية لا رياضية، فإن مصداقية البطولات تصبح موضع شك.

ولعل أبرز مثال على ذلك هو تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قرار البطاقة الحمراء التي حصل عليها المهاجم الأميركي فولارين بلوغون. حيث رأى أن القرار غير عادل، لذلك اتصل برئيس اتحاد الفيفا جياني إنفانتينو وطلب إعادة مراجعة القرار. فقررت الفيفا تعليق العقوبة مما سمح لبلوغون بالمشاركة في مباراة الولايات المتحدة أمام بلجيكا.

وبذلك لا يدفع اللاعبون وحدهم ثمن هذا التسييس، بل تدفعه الجماهير أيضاً. فالمشجع الذي ينتظر البطولة كل أربع سنوات بحثاً عن المتعة يجد نفسه وسط جدل سياسي لا ينتهي، بينما يُجبر الرياضيون على الإجابة عن أسئلة تتعلق بالخلافات الدولية أكثر من أدائهم داخل الملعب. وهكذا تُسرق اللحظة الرياضية لصالح عناوين سياسية لا تنتمي إلى عالم كرة القدم.

إن الدفاع عن استقلال كأس العالم ليس دفاعاً عن لعبة فحسب، بل عن فكرة أن الرياضة قادرة على بناء الجسور عندما تعجز السياسة عن ذلك. وإذا استمر تسييس البطولة، فإنها ستفقد تدريجياً قدرتها على توحيد الشعوب وستتحول إلى انعكاس جديد للاستقطاب العالمي الذي يطغى على مختلف المجالات.

لقد آن الأوان لأن تستعيد كرة القدم هويتها الحقيقية وأن تُترك المنافسة لتحسمها أقدام اللاعبين لا حسابات السياسيين. فكلما ازداد نفوذ السياسة داخل الملاعب تراجعت قيمة الرياضة وخسرت الجماهير الحدث الذي طالما اعتبرته رمزاً للوحدة الإنسانية. إن كأس العالم يجب أن يبقى احتفالاً بالموهبة والتنافس الشريف لا منصة للصراعات السياسية التي تفرق أكثر مما تجمع.