في مشهد مؤلم، يجلس عبد النعيم، والد الشاب محمد عبد النعيم، على كرسيه المتحرك، يواجه واحدة من أقسى لحظات حياته بعد فقدان نجله الوحيد الذي كان سنده وعونه في تفاصيل يومه.
وبجوار الأب القعيد، تجلس ابنته وزوجة نجله الراحل، تحاولان مواساته، بينما تعبر ملامح الحزن عن ما عجز هو عن قوله؛ فقد رحل محمد، ابن الـ29 عامًا، تاركًا خلفه أبًا عاجزًا عن الحركة وزوجة لم يمض على زواجهما سوى ثلاثة أشهر.
تروي “رويدا”، أرملة محمد عبد النعيم، لـ”مصراوي” أن قصة زواجهما بدأت بخطوبة استمرت نحو عام، وكان محمد يحلم بتجهيز شقته والزواج دون أن تثقل الديون كاهله. لكن ظروف عمله كانت صعبة؛ إذ كان يعمل باليومية في المزارع ويحصل غالبًا على نحو 200 جنيه مقابل يوم العمل. أحيانًا كان يضاعف جهده للحصول على دخل أكبر يمكنه من الوفاء بالتزاماته وتوفير احتياجات أسرته.
وتقول “رويدا”: إن محمد اضطر للاستدانة لتجهيز منزله وإتمام زواجه، وحصل على سلفة من المقاول الذي كان يعمل معه في المزارع بلغت نحو 175 ألف جنيه على أن يسددها من عمله وأجره اليومي.
لكن الشاب الذي كان يخطط لسداد ديونه وبناء حياته مع زوجته رحل قبل أن يتمكن من الوفاء بما عليه، تاركًا خلفه ديونًا وأحلامًا لم تكتمل.
وتضيف زوجته التي أصبحت أرملة بعد ثلاثة أشهر فقط من الزواج: “كان محمد حنونًا وكريمًا معي. ورغم قصر فترة زواجنا فإنني رأيت فيه زوجًا طيب القلب يحاول منحني ما يستطيع رغم ضيق ظروفه المادية.”.
وتتابع أن محمد كان يحمل هم أسرته فوق كتفيه؛ فلم يكن يعمل لنفسه وزوجته فقط بل كان يتحمل مسؤولية والده الذي يعاني من العجز ويستخدم كرسيًا متحركًا. كما كان يساعد في رعاية عماته، بما في ذلك إحدى ذوات الهمم.
كان محمد الابن والسند لوالده يتولى احتياجاته ويرعاه حتى أصبح رحيله صدمة مضاعفة للأب الذي فقد نجله الذي كان يعتمد عليه في حياته اليومية.
أنا عليا فلوس كتير ومخنوق
تستعيد الأسرة كلمات محمد التي كان يرددها قبل رحيله بعدما شعر بثقل المسؤوليات والديون قائلًا: “أنا عليا فلوس كتير ومخنوق.. مش عارف أسدد واللي دخلي قليل.”.
وتقول والدته إن نجلها كان دائم الشكوى من ضيق الحال وكثرة الالتزامات قبل أن يتحول القلق الذي عاشه بسبب الديون إلى وجع أكبر تركه رحيله في قلوب أسرته.
تضيف الأم بمرارة الفقد: “أهو مات وارتاح.. لكن إحنا اللي تعبنا وشيلنا الوجع في قلوبنا.”.
كلمات أم ثكلى تختصر مأساة أسرة لم تفقد شابًا فقط بل فقدت سندًا كان يحمل مسؤولية والديه وزوجته وأقاربه ورحل قبل أن يبدأ حياته التي ظل يكافح من أجلها.
ينتمي محمد عبد النعيم إلى قرية وادي الملاك التابعة لمركز أبو حماد بمحافظة الشرقية، وهي القرية التي عاشت حالة من الحزن بعد فقدان عدد من أبنائها في حادث الإسماعيلية.
وكان الضحايا خرجوا بحثًا عن لقمة العيش كما اعتادوا قبل أن تنتهي رحلتهم بحادث مأساوي وتتحول عودتهم المنتظرة إلى عودة في النعوش.
ووفقًا لبيان وزارة الصحة بشأن الحادث، أسفر حادث الإسماعيلية عن وفاة 18 شخصًا وإصابة 30 آخرين ليترك وراءه عشرات الأسر التي تواجه الآن فاجعة فقدان أبنائها وأقاربها. تظل قصة محمد واحدة من حكايات عديدة لشباب خرجوا للعمل لأجل أسرهم ولم يعودوا إليها.

