استفاق العالم صباح اليوم على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر “تروث سوشيال”، حيث وصف ما أسماه بـ”أكثر العمليات الاقتصادية سحقًا ضد أي دولة في التاريخ”، مستهدفًا إيران. هذا الإعلان أثار تساؤلات عميقة تتجاوز تفاصيل الحرب، إذ عندما يرفع قائد خطابه إلى مستوى التهديد الشامل لكل من يدعم الخصم، فكيف يُفهم هذا الخطاب؟ ترامب، الذي أطلق على حملته الاقتصادية الجديدة اسم “يوم النصر الاقتصادي D-Day”، مستعيرًا المصطلح العسكري من غزو قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، لم يتوقف عند ذلك بل توعد أي دولة تمد طهران بأي “شريان حياة” بعواقب اقتصادية “هائلة”. وهذا التهديد لا يتعلق بإيران فحسب، بل يعكس طبيعة الحالة السياسية الراهنة.

في هذا السياق، يتجلى فعل الاستدعاء التاريخي كعنصر مركزي: إذا كانت الفاشية ظاهرة بصرية ولغوية ومؤسسية ذات معالم ثابتة تتجاوز كونها مجرد نوبة عابرة في ثلاثينيات القرن الماضي، فإن مقارنة هذه المعالم مع تصريحات ترامب تدفع المؤرخين وعلماء السياسة إلى طرح سؤال منهجي: هل يمكن قراءة دونالد ترامب من منظور الفاشية؟

معايير الفاشية وفق إيكو وستانلي

وضعت الأدبيات الأكاديمية معايير دقيقة لتقييم الحركات الفاشية، وأبرزها عناصر “الفاشية الأولى” للفيلسوف أومبرتو إيكو والآليات العشر لجاسون ستانلي. تُظهر دراسة نشرت عام 2025 في “المجلة الأوروبية للقانون والعلوم السياسية” أن خطابات ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحتوي على خصائص مثل “الحياة كحرب دائمة” و”القومية الشعبوية الخائفة من الاختلاف”. ورغم تشابه هذه الخصائص مع مفردات الحركات الفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي، إلا أن وظيفتها السياسية اليوم تعتمد على الفضاء الرقمي بدلًا من الشارع المسلح، مما يبرز الفرق الجوهري.

من هذا الإطار النظري ينبثق مفهوم المؤرخ روجر جريفين حول “البعث القومي الفاشي”، الذي يُعبر عن الإيمان بأن الأمة تعيش حالة انحطاط قاتل وتحتاج إلى إحياء شامل تحت قيادة فرد مخلص. شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” يعكس هذا المفهوم بدقة ويؤطر المشهد السياسي كمعركة بين أمة محتضرة ونخبة فاسدة، مستغلًا الشعور بالظلم لدى شرائح واسعة من الأمريكيين.

لكن هذه الصياغة تختلف عن نموذج هتلر الذي استند إلى انحطاط اقتصادي وهزيمة عسكرية في الحرب العالمية الأولى؛ حيث استغل ترامب الشروخ الثقافية والهوية الإنسانية. وبالتالي يبقى التشابه في البنية وليس في المضمون.

التقاطع بين هتلر وترامب

إذا انتقلنا من المستوى النظري إلى المسارات العملية، يكشف التحليل المقارن بين المسار السياسي شبه المؤسسي لأدولف هتلر وترامب عن نقاط تقاطع لافتة؛ إذ يشير المؤرخ كريستوفر براونينج إلى مقارنة محاولة هتلر الانقلابية عام 1923 المعروفة بـ”انقلاب حانة التل” واقتحام الكابيتول في 6 يناير 2021.

كلا المحاولتين استغلتا الفوضى لاختبار مدى صلابة المؤسسات القضائية والسياسية. لم تُنهِ تلك المحاولات الحياة السياسية للرجلين بل شكلت بداية لمرحلة جديدة أعادت صياغة صعودهما عبر الآليات الانتخابية الشرعية.

هذا الصعود قاد الرجلين بعد العودة للسلطة عبر الانتخابات إلى إعادة هيكلة مؤسسات الدولة ومواجهة “خصوم الداخل”. تجلى ذلك لدى ترامب مطلع عام 2025 بإصدار أكثر من 140 أمرًا تنفيذيًا وإقالة مسؤولين في الأجهزة الأمنية والقضائية واستبدالهم بموالين له.

لا يمكن للمتابع أن يغفل ما تذكره هذه الممارسات بـ”تطبيق التنسيق” (Gleichschaltung) في ألمانيا النازية حين أُخضعت المؤسسات الحكومية والقضائية المستقلة لسيطرة السلطة التنفيذية المباشرة.

بلاغة الشيطنة وكيف تصنع الكلمات أعداءك

تتقدم هذه المقاربة خطوة أخرى عند التأمل في الاستراتيجيات اللغوية المستخدمة؛ إذ تتطابق تجربة الرجلين باستخدام مفردات تُجرّد الخصوم والمهاجرين من إنسانيتهم. أظهرت أبحاث تحليل الخطاب النقدي التي أجرتها جامعة قادس عام 2025 أن وصف ترامب للمهاجرين بـ”تسميم دم البلاد” يتقاطع مع المصطلحات النازية الواردة في كتاب “كفاحي” الصادر عام 1925؛ فاستخدام كلمات مثل “الطفيليات” و”أعداء الداخل” يمثل تحولًا منهجيًا يهدف إلى تبرير السياسات الاستثنائية وإضعاف التعاطف الشعبي مع الفئات المستهدفة.

لكن هذه البلاغة لا تجد أدواتها نفسها في كل عصر؛ إذ تختلف بيئة الإعلام الحديثة عن أدوات الحشد التي كانت متاحة في القرن العشرين. بينما اعتمد هتلر على الحصار الإعلامي المباشر وقوانين الصحافة الصارمة مثل قانون الصحفيين لعام 1933، يعتمد ترامب على الشك والتشكيك وتفتيت الحقيقة عبر المنصات الرقمية.

هذا قد يفسر كيف أدت الخطابات الهجومية المتكررة ضد وسائل الإعلام التقليدية ونعتها بـ “الفيك نيوز” وتسميتها بـ”عدوة الشعب”, إلى تقويض الثقة بالحقيقة الموضوعية وتحويل المشهد الإعلامي إلى بيئة مشبعة بـ”ما بعد الحقيقة”, مما يضعف الرقابة الديمقراطية.

أدوات الهيمنة: الجغرافيا السياسية والاقتصاد

إذا كانت اللغة هي الوجه الأول لهذه الحالة, فإن الاقتصاد يمثل ذراعها التنفيذية, حيث برزت التعريفات الجمركية كأداة للهيمنة القومية والاكتفاء الذاتي المزعوم؛ إذ فرضت إدارة ترامب تعريفات جمركية شملت 60 دولة بنسبة تتراوح بين 10% و12.5% مستندة إلى قانون التجارة لعام 1974, تحت شعار حماية الاقتصاد الوطني, تمامًا كما فعلت ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي حين أعلنت الحروب الجمركية. لكن التشابه يتوقف عند حدود السلاح نفسه؛ فترامب يعتمد عليه كأداة ابتزاز واختبار إرادة في اقتصاد معولم, بخلاف مشروع هتلر المغلق.

تمتد هذه الأدوات أيضًا إلى البعد التوسعي الجيوسياسي, كما يظهر ذلك في التصريحات المتعلقة بجرينلاند وقناة بنما وضبط الحدود الشمالية مع كندا. ورغم أن هذه التوجهات تتقاطع مع مفهوم “المجال الحيوي”, إلا أن دوافع ترامب ترتبط بالمصالح الاقتصادية والموارد الاستراتيجية وحروب النفوذ مع الصين بدلًا من التوسع العرقي العقائدي الذي اعتنقته ألمانيا الهتلرية.

ومع ذلك, فإن استمرار التصعيد العسكري ضد إيران والذي بلغ ذروته في أغسطس 2026 عبر حصار بحري يهدد مضيق هرمز ومساعي “خنق الاقتصاد الإيراني بالكامل”, يبرز الحالة الترامبية كنموذج صريح للقوة الأحادية التي تتجاوز التقاليد الدبلوماسية نحو سياسة “الحافة العسكرية.”.

حدود التشبيه بين الديكتاتورية والفيدرالية

لكن هذه القراءة المتشعبة لا تعني تجاوز حدود التشبيه, إذ ينبه المؤرخون والباحثون إلى وجود حدود فاصلة تمنع المطابقة التامة بين الترامبية والنظام النازي الكلاسيكي؛ فالنظام الفيدرالي الأمريكي والقضاء المستقل يقفان حجر عثرة أمام المحاولات الاستبدادية لترامب, كما حدث عند إلغاء المحكمة العليا لقرارات الرسوم الجمركية الأولى لعام 2025.

ورغم محاولات الالتفاف الإداري, يبقى وجود المعارضة والنظام الدستوري الممتد لأكثر من قرنين عاملًا معوقًا لأي قيام تام لديكتاتورية شمولية كاملة الأركان في الولايات المتحدة. بل إن المشروع الترامبي نفسه لا يستند إلى نظام الحزب الواحد المبني على الإيديولوجيا الشمولية, وإنما يقوم على شعبوية شخصية تعتمد على رأس المال والصفقات وحشد القاعدة الشعبية.

وهنا يرى الملياردير الأمريكي راي داليو, في كتابه “كيف تنهار البلدان: الدورة الكبرى”, أن خطورة الظاهرة الترامبية تكمن في استنساخ أساليب السلطوية وتجويف المؤسسات من الداخل تحت ستار الديمقراطية. وخلاصة هذا الرأي أن هذا الأسلوب يتيح تفكيك الضوابط الدستورية دون الحاجة إلى إعلان صريح عن قيام نظام فاشي تقليدي, مما يجعل التشخيص أشد إلحاحًا وأكثر تعقيدًا.

السؤال المفتوح: هل تتكرر اللحظة التاريخية؟

ومن هنا يعيد هذا التحليل طرح السؤال المفتوح دون إجابة قاطعة: هل تحمي المؤسسات الديمقراطية مجتمعاتها من الانزلاق نحو نماذج التسلط, أم أن تغيّر شكل الأدوات يمنح الأوتوقراطية المعاصرة حصانة من كشفها المبكر؟

الإجابة تكمن ضمن الإطار المفاهيمي الذي تُصاغ به السياسات وتُشرَّع له الجمهور؛ إذ إن الفاشية لا تُعلن عن نفسها صراحة كما توضح الأدبيات, بل تُمارس عبر أدوات تعمل تحت ستار الديمقراطية.