في عدد أغسطس من مجلة الهلال عام 1952، وتزامنًا مع ارتفاع درجات الحرارة التي تصل إلى ذروتها في هذا الشهر، كتب المفكر أحمد أمين مقالًا عن موجة الحر التي اجتاحت مصر في الخمسينيات، والتي نعاني من آثارها اليوم. قال:.

“اشتدت وطأة الحر حتى ظننت أن طاقة من جهنم قد فتحت على القاهرة التي كانت سابقًا نسمة عليلة، فجعلت منها أتونًا. حاولت معالجة هذا الحر بمعالجات نفسية، فتخيلت أننا في الشتاء وأن الدنيا باردة جدًا ونريد أن نتدثر لا أن نتخفف. فالكثير من الأخيلة النفسية تؤثر على النفس تأثيرًا بليغًا.”.

أشد من برودة الخيال

ألا ترى أنك تتخيل أكلة شهية فيسيل لعابك، أو تتخيل ما يغضب فتغضب، وما يفرح فتفرح؟ تخيل الآن أنك في جو بارد فتبرد، لكن مع الأسف كانت حرارة الواقع أشد من برودة الخيال.

وأحضرت إلى ذهني وأنا أعاني من حرارة الجو أولئك الذين يحملون على رؤوسهم مشنات من الخضر والفاكهة وهم يسيرون تحت الشمس اللافحة والهواء الساخن بحثًا عن لقمة العيش. قلت لنفسي: أنت ترتدي جلبابًا فضفاضًا، عاري الرأس، حافي القدمين، بجانبك الماء المثلج وأنواع المرطبات، وعلى مقربة منك المروحة التي تريح الجو. أحمد الله على هذه النعم وتحمل هذا الحر الذي تخففه بما ذكرت.

لم ينفع له علاج

لكن لم ينجح هذا العلاج. حاولت أن أزرع بعض الأطيان بالقطن أو الفاكهة فإذا اشتد الحر أو ضايقني اطمأننت إلى محصول القطن أو الفاكهة. لكن الحمد لله لم يكن لي شيء من ذلك، فلم ينفع هذا علاجًا.

وأخيرًا حملت متاعي إلى الإسكندرية والجو يتوقد. وما إن وصلت إلى عربة التبريد ــ المكيفة ــ حتى شعرت وكأنني في لوح من الثلج. وصلت الإسكندرية وشاء الحظ أن يكون جوها أقل حرارة من جو القاهرة بنحو 14 درجة. قضيت أيامًا تنفست فيها الصعداء.

كنت أظن أن من نشأ في جو مصر أقدر على تحمل حرها. ورغم إعجابي بجو الإسكندرية المعتدل، فقد ضايقتني رطوبتها وخصوصا في الليل. تمنيت لو كنت غنيًا جدًا لأطير إلى الإسكندرية لأقضي فيها النهار ثم أعود إلى القاهرة لأقضي الليل.. لكن ما باليد حيلة.

أحد أعلام الفكر العربي

أحمد أمين ــ وُلد عام 1886 وتوفي عام 1954 ــ هو أحد أعلام الفكر العربي والإسلامي في النصف الأول من القرن العشرين. يُعتبر أحد أبرز دعاة التجديد الحضاري الإسلامي وصاحب تيار فكري مستقل قائم على الوسطية. كان باحثًا في التاريخ الإسلامي والعادات المصرية، وبدأ حياته كأزهري درس القضاء الشرعي ثم أصبح قاضيًا شرعيًا واشتهر بالعدل في أحكامه.