في مثل هذا اليوم من عام 1882، استيقظت الإسكندرية على دوي واحدة من أعنف الضربات البحرية في القرن التاسع عشر، حيث فتح الأسطول البريطاني نيران مدافعه الثقيلة بعيدة المدى تجاه خطوط الدفاع الساحلية للمدينة على مدار يومين متتاليين. اضطرت الحامية العسكرية إلى رفع الأعلام البيضاء وإعلان الاستسلام، فما السبب وراء ذلك ومن صاحب القرار؟

كواليس ما قبل الضربة الإنجليزية للإسكندرية

عاشت الإسكندرية في صيف 1882 حالة من الغليان السياسي؛ إذ كان ناظر الجهادية والبحرية، أحمد عرابي، يقود حركة وطنية تحدت نفوذ الخديوي توفيق والتدخل الأجنبي البريطاني – الفرنسي المشترك. تصاعدت حدة الأزمة الميدانية عقب مذبحة الإسكندرية في 11 يونيو 1882، وهي المشاجرة المدبرة التي وقعت بين الرعايا الأجانب والمواطنين وأسفرت عن مقتل العشرات، مما منح بريطانيا الذريعة للتدخل لحماية مصالحها ومواطنيها.

جاءت شرارة الحرب المباشرة عندما رصدت بحرية الاحتلال قيام الجنود المصريين بترميم وتحصين القلاع الساحلية وتوجيه المدافع صوب السفن الراسية في الميناء.

حينها وجه قائد الأسطول البريطاني، الأدميرال بوشامب سيمور، إنذارًا نهائيًا للجنة الدفاع المصرية يطالبها فيه بوقف أعمال التحصين فورًا وتسليم القلاع خلال 24 ساعة. لكن الحكومة الوطنية في القاهرة رفضت ذلك باعتباره انتهاكًا صارخًا للسيادة، لتبدأ المدافع الإنجليزية المتربصة في الميناء بالتحرك.

كانت خطوط الدفاع البحرية للإسكندرية تتكون من شبكة تحصينات عريقة وممتدة عبر الساحل، موزعة في مناطق استراتيجية مثل الأنفوشي ورأس التين. وتمركزت هذه التحصينات عند مدخل الميناء لضمان السيطرة الكاملة على حركة السفن، بالإضافة إلى قلاع قلعة قايتباي التاريخية التي شيدت في القرن الخامس عشر على أنقاض منار الإسكندرية القديم، والتي كانت تمثل الرمز الدفاعي الأبرز للمدينة.

يرجع الفضل الأكبر في بناء وتطوير هذه القلاع وتزويدها بالمدافع إلى محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة. فقد أدرك مبكرًا أن الإسكندرية هي البوابة الضعيفة للبلاد فاستقدم مهندسين فرنسيين أبرزهم كالي بيك لإعادة تخطيط التحصينات على الطراز الأوروبي. ولاحقًا قام الخديوي إسماعيل بتحديث هذه القلاع وترميمها وزيادة تسليحها بمدافع من طراز أرمسترونغ الحديثة لتشكل خط الدفاع الرئيسي للبلاد حتى لحظة المواجهة.

كيف دمر الأسطول الإنجليزي حصون المدينة؟

في تمام الساعة السابعة من صباح 11 يوليو 1882، أصدر الأدميرال سيمور أوامره ببدء الهجوم؛ حيث تقدمت 8 بوارج حربية بريطانية مدرعة وضخمة وبدأت في إطلاق قذائفها الثقيلة من عيار 16 و12 بوصة.

وعلى الرغم من شجاعة الجنود والضباط المصريين في الطوابي الذين واصلوا الرد بالمدافع القديمة بكفاءة أصابت بعض السفن البريطانية بأضرار، إلا أن الفارق العسكري والتكنولوجي كان حاسمًا؛ فمدافع الأسطول البريطاني كانت ذات مدى أبعد وقدرة تدميرية هائلة نجحت خلال ساعات في اختراق الأسوار وتفجير مخازن الذخيرة داخل القلاع بالإضافة إلى تدمير أبراج المراقبة.

استمر القصف بكثافة أعلى في اليوم التالي مما أسفر عن تدمير تام لطوابي المكس ورأس التين وتحولت أجزاء واسعة من أحياء المدينة إلى رماد ونيران واشتعلت الحرائق في السرايات والمحلات التجارية.

مع انهيار الدفاعات واشتعال النيران سادت حالة من الفوضى العارمة داخل الإسكندرية. وفي ظل هذا الضغط الميداني اتخذ المجلس العسكري والحكومة المحلية قرارًا برفع الأعلام البيضاء على سارية رأس التين لطلب الهدنة ووقف القصف.

استغل الخديوي توفيق الذي كان موجودًا في سراي رأس التين هذا الانهيار العسكري لينحاز تمامًا إلى الجانب البريطاني؛ حيث رفض مغادرة المدينة مع جيشه واتخذ قرارًا منفردًا بالاستسلام ومهادنة الأدميرال سيمور. بل وأصدر لاحقًا أمرًا رسميًا بعزل أحمد عرابي من منصبه كناظر للجهادية لرفضه وقف القتال معتبرًا إياه عاصيًا ألحق الدمار بالبلاد.

ماذا ترتب على سقوط الإسكندرية؟

ترتبت على هذه الساعات العصيبة نتائج استراتيجية وتاريخية حاسمة غيرت وجه مصر؛ حيث رفض أحمد عرابي الاستسلام التام وقام بسحب ما تبقى من قواته النظامية والمتطوعين نحو خطوط الدفاع الطبيعية في كفر الدوار بمحافظة البحيرة وأقام خندقًا عسكريًا حصينًا نجح لاحقًا في صد الهجمات البريطانية البرية ومنعهم من دخول القاهرة عبر الدلتا.

نزلت قوات مشاة البحرية البريطانية إلى شوارع الإسكندرية واحتلت المفاصل الحيوية والميناء تحت ذريعة إعادة النظام وحماية الخديوي توفيق ليصبح هذا السقوط الميداني المحطة الأولى في مسيرة الاحتلال البريطاني لمصر الذي بدأ رسميًا في سبتمبر من نفس العام عقب معركة التل الكبير واستمر جاثمًا على أنفاس البلاد قرابة 74 عامًا.