في مثل هذا اليوم من عام 1402، شهدت سهول جبق أباد قرب مدينة أنقرة واحدة من أعنف المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي والوسيط، حيث التقى الجيش المغولي القادم من سمرقند بقيادة تيمورلنك مع الجيش العثماني بقيادة السلطان بايزيد الأول. انتهت هذه المواجهة الكارثية بهزيمة غير مسبوقة للجيش العثماني وسقوط السلطان أسيرًا في يد الغازي المغولي، مما أوقف تقدم الدولة العثمانية في أوروبا لعدة عقود.

من هو تيمور لنك؟

تيمورلنك هو قائد عسكري ينتمي إلى قبائل البرلاس الأوزبكية ذات الأصول المغولية والتركية. وُلد في مدينة كش بآسيا الوسطى ونشأ في بيئة عسكرية قاسية. تُظهر سيرته الفكرية والنفسية أنه جمع بين العبقرية العسكرية الفذة والدموية المفرطة، حيث أسس الإمبراطورية التيمورية وضم إليها إيران والعراق وأجزاء من الهند والشام. اعتبر نفسه الوريث الشرعي لجنكيز خان، وكان يسعى لتوحيد العالم الإسلامي بالقوة، متبنيًا عقيدة قتالية تتضمن حرق المدن وبناء الأهرامات من جماجم الضحايا لإرهاب خصومه قبل بدء المعركة.

جاء اصطدام تيمورلنك بالدولة العثمانية نتيجة صراع النفوذ وتبادل الرسائل المليئة بالإهانات الشخصية بينه وبين بايزيد الأول. فقد تمكن بايزيد من ابتلاع الإمارات التركمانية في الأناضول، مما دفع أمراءها للجوء إلى تيمورلنك. وفي المقابل، فر أعداء تيمورلنك من أمراء بغداد وجلاير إلى بايزيد الذي رفض تسليمهم صونًا لحق الجوار. اندلعت الشرارة عندما زحف تيمورلنك واجتاح مدينة سيواس العثمانية وقتل حاميتها، مما دفع بايزيد لقطع حصاره عن القسطنطينية والاندفاع بكامل جيشه نحو الأناضول لمواجهة الخطر المغولي.

جاءت كواليس المعركة دراماتيكية وصبت في مصلحة تيمورلنك تمامًا؛ حيث اختار مكان المعركة وتوقيتها بذكاء، فسبق العثمانيين إلى سهل أنقرة واستولى على مصادر المياه الوحيدة في المنطقة وقام بردمها وتسميم المتبقي منها. وعندما وصل الجيش العثماني، كان الجنود يعانون من الإنهاك والعطش الشديد نتيجة المسير السريع في حر الصيف. تفاقمت المشكلة عندما بدأت المعركة وانشقت قوات التتار والإمارات التركمانية داخل الجيش العثماني وانحازوا فجأة إلى جيش تيمورلنك بموجب تفاهمات سرية مسبقة، مما حول المواجهة إلى حصار خانق لقلب الجيش العثماني وصمود بايزيد وقوات الانكشارية حتى النهاية.

وفي غمرة الفوضى والانسحاب العشوائي، حاول السلطان بايزيد الأول الفرار مع مجموعة من حراسه، لكن الفرسان المغول لاحقوه وطوقوه ليصبح سجينًا وأسيرًا لدى تيمورلنك.

تشير الكتابات التاريخية إلى أن تيمورلنك أسر بايزيد في خيمة محصنة وأخذه معه خلال جولاته بآسيا الصغرى. غير أن السلطان العثماني لم يتحمل ذل الأسر والمهانة وتوفي بعد أشهر قليلة في مارس 1403 نتيجة المرض والإحباط، وهو ما سجله المؤرخ ابن عربشاه الذي عاصر تلك الفترة وأكد أن غصة الأسر كانت سبب وفاة السلطان العثماني.

تداعيات هزيمة بايزيد الأول على يد تيمورلنك

ترتبت على هذه الهزيمة المدوية نتائج كارثية كادت تعصف بالدولة العثمانية من جذورها؛ حيث تفككت وحدة الأناضول وعادت الإمارات التركمانية للاستقلال تحت الحماية التيمورية. دخلت الدولة العثمانية في حقبة مظلمة عُرفت تاريخيًا بـ “عصر الفترة” استمرت 11 عامًا شهدت خلالها حرب أهلية طاحنة وصراعًا دمويًا بين أبناء بايزيد الأول (سليمان وموسى وعيسى ومحمد) على كرسى السلطنة. تأخر سقوط القسطنطينية بأيدي المسلمين لنحو نصف قرن حتى نجح السلطان محمد جلبي في إعادة توحيد الدولة وبنائها مجددًا ليتولى حفيده محمد الفاتح إتمام المهمة.