من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح “قطوف”، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب والرواد في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

فضول

_ شد حيلك يا ريس.
_ الشدة على الله.
أخرجني الحوار بينهما من ركام نفسي وحطام أفكاري: أين أنا وإلام أتجه؟
هنا بالأمس كان المركب الخشبي ملقى على ظهر الرمال المبللة بلعاب البحر، فاراً من الحياة ضاربًا بالألواح مجرى الرياح، مشاكسا عنيدا، يشبه جزءا رأيته يختفي مني.
ربان المركب يقول إنها رحلة شاقة تستغرق عشرة أيام، لكن البحر لا يفي بالوعود، كما أن بها برميلا ناقصا وفردا زائدا بصحبة قط جائع، كان الربان محقا، قط واحد يعادل أربعة أشخاص على متن القارب.
بمرور أول ثلاث ليالٍ كان البحارة فيها مشغولين بمعرفة من أكون وكيف رمت بي الأقدار إليهم؟ فلما استيأسوا خلصوا لدمجي بهم معاون تنظيف مناوبا في الليل.
“الوقفة غالية والمرسى نايم ياريس.. استنى الإشارة القناة مافيهاش هزار”.. كانت كلمات الربان دائما حادة كالسيف، عززت أكتافه العريضة وطول قامته بالإضافة للون البشرة الممزوج داخله السمار اللامع بالأحمر الحارق للون الخدود.. بوصلة طريفة تقدمها العيون العسلية الغائرة التي تبعث الرهبة والإجلال في نفوس الطاقم. ومع ذلك فقد خص فضول قط القارب المراوغ بقصة مفادها: أبعاد متقاربة أفضل من بحار شارد مضل لنفسه.
لم يفهم القط الكثير، قفز مسرعا نحو رأس درويش العجوز، أحد عمال الطاقم، أخذ يلعق شعره المشتعل بتكتل المواقف وغزارة الواردين، التهام وجيز أفضل عند القط الأصفر من سرد طويل.
“البحر هنا غشيم؛ الكل يستعد”.. لطمُ الموج للقارب أشبه بوحش يخدش بمخالبه جوانب فريسة هشة الطباع، تغفل تعري لحمها وتحلم بالنجاة. وحدي رأيت شموس السماء تغادر ليلها، أما القط الفزع فتمسك بحبل التوأم المرابط خلف الربان.
باتت السويس قريبة، اقترب الرسو على ما يبدو، انتهى المكوث هنا ووجب التحرك من جديد، ألمَّ القط بمقدار كبير بما يفيده وبما لا يفيده.
استكملت أوراقًا لم تكن لتكتمل لولا هؤلاء، أزيح القلم عن الورق بعد نقطة الانتهاء وصفير أحد المارة على الرصيف، فكانت إشارة واضحة لعبور السارق إلى بر الأمان.