في مثل هذا اليوم، 12 يوليو، تستعيد الذاكرة المصرية سيرة واحدة من أبرز الشخصيات النسائية التي نجحت في الجمع بين الإبداع الفني والعمل الوطني، لتصنع نموذجًا استثنائيًا قلما تكرر في الحياة العامة.
وُلدت فايدة كامل في 12 يوليو عام 1932 بالقاهرة، لتبدأ رحلة امتدت لعقود، انتقلت خلالها من خشبة المسرح واستوديوهات الإذاعة إلى قاعة البرلمان، حيث تحولت من مطربة وممثلة إلى واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ العمل النيابي المصري.
لم يكن انتقال فايدة كامل إلى العمل السياسي مجرد تجربة عابرة أو محطة مؤقتة، بل كان قرارًا غيّر مسار حياتها بالكامل. آثرت أن تضع شهرتها الفنية خلفها وتتفرغ لخدمة قضايا المجتمع والدفاع عن حقوق المواطنين، لتصبح أول فنانة مصرية تدخل البرلمان وصاحبة أطول مسيرة نيابية لامرأة مصرية، وهو الإنجاز الذي سجل اسمها في موسوعة غينيس للأرقام القياسية بعد أكثر من ثلاثة عقود متصلة تحت قبة البرلمان.
من الفن إلى السياسة:
بدأت فايدة كامل حياتها الفنية كمطربة وممثلة، واستطاعت أن تحجز مكانة مميزة بين أبناء جيلها. إلا أن اهتمامها بالشأن العام كان أكبر من بريق الشهرة. ومع خوضها انتخابات مجلس الشعب عام 1971 عن دائرة الخليفة بالقاهرة، فتحت صفحة جديدة في حياتها ونجحت في الفوز بثقة الناخبين لتبدأ رحلة نيابية استمرت حتى عام 2005 دون انقطاع.
وخلال تلك السنوات، لم تتعامل مع عضوية البرلمان باعتبارها منصبًا تشريفيًا، وإنما باعتبارها مسؤولية وطنية تتطلب حضورًا دائمًا ومواقف واضحة. اتخذت قرارًا بالتوقف عن الغناء نهائيًا مفضلة التفرغ الكامل لأداء واجباتها التشريعية والرقابية.
صوت المرأة تحت قبة البرلمان:
ارتبط اسم فايدة كامل بالدفاع عن قضايا المرأة المصرية، إذ كانت من أبرز الأصوات البرلمانية التي تبنت ملفات تمكين المرأة وتعزيز حقوقها القانونية والاجتماعية.
شاركت بقوة في مناقشة قوانين الأحوال الشخصية ودافعت عن التشريعات التي هدفت إلى تعزيز حقوق المرأة داخل الأسرة. كما كانت من أبرز المؤيدين لقانون الخلع الذي منح المرأة حق إنهاء العلاقة الزوجية عبر القضاء ضمن الضوابط القانونية.
ولم تتوقف جهودها عند ذلك؛ بل كانت من المدافعين عن حق المرأة المصرية المتزوجة من أجنبي في منح جنسيتها لأبنائها، وهو الملف الذي ظل مطروحًا لسنوات طويلة حتى شهد تعديلات تشريعية استجابت لهذا المطلب.
تولت فايدة كامل رئاسة لجنة الثقافة والإعلام والسياحة بمجلس الشعب وأسهمت من خلال هذا الموقع في مناقشة العديد من القضايا الثقافية والإعلامية والوطنية. كما شاركت في مؤتمرات عربية وإفريقية ودولية عديدة ممثلة لمصر وللمرأة المصرية حيث نقلت تجربتها البرلمانية إلى مختلف المحافل الإقليمية والدولية.
رغم زواجها من النبوي إسماعيل وزير الداخلية الأسبق، حافظت على استقلال شخصيتها السياسية واعتمدت في مسيرتها على حضورها الجماهيري وخطابها البرلماني بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
مشاركة المرأة في السياسة:
تزامنت رحلة فايدة كامل مع مراحل مهمة في تطور المشاركة السياسية للمرأة المصرية والتي شهدت تغيرات كبيرة منذ السماح للمرأة بالترشح والانتخاب في خمسينيات القرن الماضي.
في عام 1957 لم تتجاوز نسبة تمثيل المرأة داخل البرلمان نحو 0.6% ثم ارتفعت تدريجيًا خلال الستينيات قبل أن يشهد عام 1979 تطبيق نظام “الكوتا” لأول مرة بتخصيص 30 مقعدًا للنساء وهو ما ساهم في رفع نسبة التمثيل النسائي داخل البرلمان.
لكن هذا النظام أُلغي عام 1986 لتعود المرأة إلى المنافسة عبر النظام الحزبي ثم النظام الفردي بعد عام 1990 مما أدى إلى تراجع ملحوظ في عدد النائبات. ورغم تلك التغيرات واصلت فايدة كامل الاحتفاظ بمقعدها البرلماني مستندة إلى رصيدها الشعبي وخبرتها السياسية.
وفي عام 2009 عاد العمل بنظام الكوتا مرة أخرى عبر تخصيص 64 مقعدًا للمرأة إلا أن تجربة فايدة كامل كانت قد سبقت هذه الخطوة بسنوات طويلة وأسهمت في ترسيخ فكرة قدرة المرأة على المنافسة والنجاح داخل البرلمان.
رحلت فايدة كامل في 21 أكتوبر عام 2011 عن عمر ناهز 79 عامًا لكنها تركت وراءها إرثًا سياسيًا وتشريعيًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة الحياة النيابية المصرية.

