كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن أن الحرب التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران واستمرت ما يزيد قليلًا من 15 أسبوعًا خلفت خسائر بشرية واقتصادية هائلة امتدت آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الشرق الأوسط، قبل أن تنتهى هذا الأسبوع باتفاق سلام مبدئى بين واشنطن وطهران.
وبحسب الصحيفة، فإن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أعلن يوم الإثنين الماضى عن أنه ونائب الرئيس جى دى فانس وقعا إلكترونيًا مع الجانب الإيرانى وثيقة تنهى رسميًا الحرب التى اندلعت فى 28 فبراير عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا عسكريًا على إيران.
ورغم التوصل إلى الاتفاق، أشارت الصحيفة إلى أن الكلفة الحقيقية للحرب لا تزال قيد التقييم، خصوصًا مع بدء فترة تمتد 60 يومًا مخصصة لاستكمال المفاوضات بين الجانبين حول القضايا العالقة. وقالت نيويورك تايمز إن حصيلة القتلى المعلنة حتى الآن تشير إلى مقتل أكثر من 3000 إيرانى خلال النزاع، بينما أعلنت إسرائيل مقتل 26 شخصًا داخل أراضيها، إضافة إلى إصابة آلاف الأشخاص فى البلدين.
كما أعلن الجيش الأمريكى عن مقتل 13 عسكريًا أمريكيًا خلال العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب. وأوضحت الصحيفة أن إسرائيل وسعت نطاق عملياتها العسكرية فى 18 مارس عندما استأنفت هجماتها على لبنان فى إطار الحرب الإقليمية الأوسع، الأمر الذى أدى إلى مقتل نحو 3700 شخص هناك وفقًا لبيانات وزارة الصحة اللبنانية.
ولم تتوقف الخسائر البشرية عند حدود الدول المنخرطة مباشرة فى الصراع، إذ أسفرت الهجمات والغارات المتبادلة، والتى نفذت إيران جزءًا كبيرا منها، عن سقوط قتلى فى مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، بمن فيهم عمال من دول جنوب آسيا كانوا يعملون فى دول الخليج العربى.
وفى واحدة من الحوادث التى أثارت توترًا دوليًا، قتل الجيش الأمريكى ثلاثة بحارة مدنيين هنود خلال استهداف سفينة تجارية بالقرب من السواحل العمانية، وهو ما تسبب فى تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والهند. كما لفتت الصحيفة إلى أن أكثر الحوادث دموية بين المدنيين وقعت فى اليوم الأول للحرب، عندما دمرت ضربة صاروخية أمريكية مدرسة إيرانية، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 175 شخصا وفقًا لمسئولين إيرانيين.
وعلى الصعيد الاقتصادى، أوضحت الصحيفة أن الاقتصاد الإيرانى كان يعانى بالفعل من أزمات عميقة قبل اندلاع الحرب، إلا أن المواجهة العسكرية دفعت الأوضاع إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث شهدت أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية الأخرى ارتفاعات حادة، وأصبحت الحياة اليومية أكثر صعوبة بالنسبة للإيرانيين.
وأضافت أن حجم الدمار داخل إيران كان واسعًا، إذ تعرضت مئات المدارس والمنشآت الصحية للتدمير أو لأضرار جسيمة خلال الحرب، وفقًا لجمعية الهلال الأحمر الإيرانى، وهى أكبر منظمة إغاثية إنسانية فى البلاد.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقدرت مؤسسة موديز أناليتيكس أن التكلفة الإجمالية للحرب على دافعى الضرائب والمستهلكين الأمريكيين بلغت ما لا يقل عن 132 مليار دولار. وأوضحت الصحيفة أن هذا الرقم يشمل الإنفاق العسكرى المباشر، وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، بالإضافة إلى تأثير ارتفاع أسعار الفائدة، وفقًا لتقديرات مارك زاندى كبير الاقتصاديين فى المؤسسة.
وفى الوقت نفسه، أبلغ مسئول بارز فى وزارة الدفاع الأمريكية الكونجرس الشهر الماضى أن النفقات العسكرية المباشرة للحرب ارتفعت إلى نحو 29 مليار دولار. لكن هذا التقدير، بحسب الصحيفة، لا يشمل تكلفة إصلاح أكثر من 12 قاعدة أمريكية فى الشرق الأوسط تعرضت لأضرار نتيجة الهجمات الإيرانية. كما لا يشمل تكاليف الصيانة والإصلاح المستمرة، ولا النفقات الضخمة اللازمة للإبقاء على مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية فى حالة انتشار دائم فى البحار والمحيطات.
ونقلت نيويورك تايمز عن ليندا بيلمز، خبيرة المالية العامة والمحاضرة البارزة فى كلية هارفارد كينيدى، قولها إن مجرد الإبقاء على القوات والمعدات العسكرية المنتشرة فى المنطقة يكلف مبالغ طائلة، مضيفة أن الحفاظ على هذا الحجم من الانتشار العسكرى يتطلب إنفاقا هائلًا بشكل يومى. وأشارت الصحيفة إلى أن إيران تسببت أيضًا فى أضرار كبيرة لأصول أمريكية أخرى داخل المنطقة، من بينها طائرة رادار عسكرية عالية القيمة كانت متوقفة على أحد المدارج فى السعودية، بالإضافة إلى تعرض مجمع السفارة الأمريكية فى الرياض لأضرار ملحوظة.
وفى ملف الطاقة، أوضحت نيويورك تايمز أن المستهلكين الأمريكيين تحملوا جزءًا كبيرًا من فاتورة الحرب عبر ارتفاع أسعار الوقود. فوفقًا لبيانات «مؤشر تكلفة طاقة حرب إيران» الصادر عن جامعة براون، دفع الأمريكيون نحو 60 مليار دولار إضافية مقابل شراء البنزين والديزل منذ اندلاع الحرب نتيجة ارتفاع الأسعار. ويعادل ذلك نحو 460 دولارًا إضافيًا لكل أسرة أمريكية.
وقبل اندلاع الحرب، كان متوسط سعر جالون البنزين فى الولايات المتحدة يبلغ 2.98 دولار وفقًا لبيانات جمعية السيارات الأمريكية. لكن الأسعار شهدت قفزات متتالية خلال أشهر الحرب لتصل حاليا إلى نحو 4 دولارات للغالون الواحد. ورغم تراجع أسعار النفط بعد الإعلان عن إطار اتفاق السلام قبل أيام، فإن خام القياس العالمى لا يزال يتداول قرب مستوى 80 دولارًا للبرميل.
وأشارت الصحيفة إلى أن ارتفاع أسعار الوقود لم يؤثر فقط على السائقين، بل امتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، حيث ارتفعت أسعار تذاكر الطيران وتكاليف الشحن والنقل وأسعار السلع المصنعة والمواد الأولية.
كما انعكست تداعيات الحرب على أسواق الغذاء العالمية نتيجة الاضطرابات التى شهدتها حركة التجارة الدولية بعد إغلاق مضيق هرمز. وأدى تعطل الملاحة فى المضيق إلى ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية، من بينها الكبريت الذى يعد مكونًا رئيسيًا فى صناعة أنواع عديدة من الأسمدة.
وفى هذا السياق، استشهدت نيويورك تايمز بتقرير أصدره مجلس العلاقات الخارجية فى وقت سابق من يونيو أعده ماكسيمو توريرو كولين، كبير الاقتصاديين فى منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة. وحذر التقرير من أن الاضطرابات فى مضيق هرمز ستكون لها تداعيات تتجاوز القطاع الزراعى بكثير، مشيرًا إلى أنها قد تؤدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالميا، وتسارع التضخم الغذائى، وتباطؤ النمو الاقتصادى، وزيادة معدلات الجوع فى أنحاء مختلفة من العالم.