بالوجوه ذاتها، عادت مافيا التلاعب لتظهر مجددًا على مسرح البورصة المصرية، وكأن السنوات الماضية لم تكن سوى استراحة قصيرة. يعود هؤلاء مرة أخرى إلى هوايتهم المفضلة؛ تحريك الأسهم صعودًا وهبوطًا، وتحقيق الثروات على حساب استقرار السوق ومدخرات صغار المستثمرين.
هذا الرباعي، الذي ارتبط اسمه في أذهان المتعاملين بفترات من الاضطراب والتلاعب، سبق أن واجه إجراءات صارمة خلال عهد الدكتور محمد عمران، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية الأسبق. فقد تعامل مع تلك المخالفات بحسم واضح ونجح في كبح جماحها لسنوات. ولكن المشهد عاد ليتكرر خلال العامين الأخيرين، ولكن بأساليب أكثر تطورًا وتعقيدًا، بعضها يتم عبر شاشات التداول بينما يتم البعض الآخر بعيدًا عن الأنظار.
خلال الفترة الماضية، كان القاسم المشترك بين هذه الممارسات هو السعي لتحقيق مكاسب غير مشروعة عبر التأثير المتعمد على حركة الأسهم. وتقول المؤشرات إن الجهات الرقابية تتابع وترصد تفاصيل هذه الوقائع. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل العقوبات الحالية كافية لمواجهة جرائم سوق المال الحديثة؟
تنص المادة (64) من قانون سوق المال رقم 95 لسنة 1992 على الحبس لمدة لا تقل عن سنتين وغرامات تصل إلى 20 مليون جنيه أو مثلي ما حققه المخالف من نفع. ورغم أن هذه العقوبات كانت رادعة في وقت سابق، إلا أنها لم تعد تتناسب مع حجم التطورات التي شهدتها السوق والأضرار التي تلحق بالمستثمرين وثقتهم في البورصة المصرية.
عندما تصبح الأرباح الناتجة عن التلاعب أكبر من تكلفة العقوبة، يفقد الردع معناه. وحين تتحول التصالحات إلى مخرج معتاد، يصبح المخالف هو المستفيد الأكبر بينما يدفع السوق بأكمله الثمن. لقد آن الأوان لإعادة صياغة فلسفة العقاب في جرائم سوق المال، ليس فقط عبر رفع سقف الغرامات إلى مستويات تتناسب مع حجم الجريمة، بل أيضًا بتشديد العقوبات السالبة للحرية وإغلاق أي منافذ قد تتيح للمخالفين العودة إلى المشهد مرة أخرى.
ليس عيبًا أن تعيد الهيئة العامة للرقابة المالية تقييم بعض الملفات أو أن تعترف بأن التأخر في تحديث التشريعات منح المتلاعبين مساحة أوسع للحركة. فالمراجعة والتصحيح هما جوهر أي منظومة تسعى للتطور وحماية مصالح المتعاملين.
قبل أن تتحول هذه الظاهرة إلى تهديد حقيقي لسمعة سوق المال المصري، تبدو الحاجة ملحة لتحرك تشريعي سريع وحاسم يعيد الانضباط إلى السوق ويبعث برسالة واضحة مفادها أن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى.
هل يقود الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، الذي يضع عليه السوق آمالاً عريضة لكفاءته في الإدارة معركة تعديل مواد العقوبات والغرامات؟ أم سيواصل المتلاعبون كتابة فصول جديدة من المشهد ذاته؟

