أكد الأستاذ الدكتور عثمان أحمد عثمان، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة وعميد معهد الدراسات الإسلامية السابق، أن الاستقرار المالي يُعد أحد أهم مقومات نجاح الأسرة واستمرارها. وأشار إلى أن نسبة كبيرة من الخلافات الزوجية وحالات الانفصال تعود إلى أسباب مالية وسوء إدارة الموارد، مما يجعل التفاهم والتعاون بين الزوجين ضرورة تبدأ قبل عقد الزواج.

دور الاستقرار المالي في نجاح الأسرة واستمرارها

جاء ذلك خلال محاضرته بعنوان “الادخار والاستثمار الذكي”، ضمن فعاليات دورة تأهيل المقبلين على الزواج. حيث شدد على أهمية الاتفاق المسبق بين الزوجين حول مختلف الجوانب المالية المتعلقة بالحياة الزوجية، بما يشمل مصادر الدخل وأوجه الإنفاق والالتزامات المالية وتجهيزات السكن والمعيشة، لضمان بناء الأسرة الجديدة على أسس من الصراحة والصدق والأمانة، مع إدراك طبيعة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تواجهها.

وأوضح أن علم الاقتصاد يعتمد على حسن إدارة الموارد المحدودة، مؤكدًا أن الأسرة الناجحة هي التي تضع منذ البداية خطة مالية واضحة تقوم على إعداد ميزانية تراعي الدخل الثابت والمتغير، وترتب أولويات الإنفاق وفق الضروريات ثم الحاجيات ثم الكماليات. كما أشار إلى أهمية توجيه الفائض نحو الادخار والاستثمار وتنمية مصادر الدخل، لافتًا إلى أن الإدارة المالية السليمة لا تقتصر على توزيع الموارد فقط، بل تمتد أيضًا إلى تنميتها وتعظيم الاستفادة منها.

وأشار أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة إلى أن نجاح الميزانية الأسرية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بترشيد الاستهلاك وحسن اتخاذ قرار الشراء، وعدم الانسياق وراء العروض التسويقية أو الإنفاق بدافع التقليد والمظاهر الاجتماعية. وأكد أن التخطيط المسبق للشراء والتمييز بين الاحتياجات الحقيقية والرغبات يسهمان في تكوين فائض مالي يمكن استثماره بما يعزز استقرار الأسرة.

وأضاف أن الأسرة تحتاج منذ بدايتها إلى بناء ثقافة مالية تقوم على ترتيب الأولويات وتكوين احتياطي للطوارئ والادخار المنتظم. كما أشار إلى ضرورة مراعاة أن يكون الإنفاق مرتبطًا بالاحتياجات الفعلية للأسرة وليس بما يفرضه المجتمع من مقارنات أو ممارسات استهلاكية. وأكد أن الترفيه يبقى عنصرًا مهمًّا في الحياة الزوجية، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب الأساسيات أو سببًا في إرهاق الميزانية.

بينما تمثل المصارحة بالحالة المالية بين الزوجين أساسًا لبناء الثقة والاستقرار، يجب أن يكون كل طرف على دراية بظروف الآخر وإمكاناته، حتى تُبنى العلاقة على التفاهم والتقدير بعيدًا عن التوقعات غير الواقعية أو المفاجآت. وشدد أيضًا على أهمية غرس ثقافة استهلاكية واعية لدى الأبناء تقوم على التمييز بين الرغبات والاحتياجات وحسن إدارة المال.

كما أكد أستاذ الاقتصاد على أن الادخار يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الأسرة وأن تنمية المال ينبغي أن تكون من مصادر مشروعة لتحقيق البركة والاستقرار. ودعا إلى عدم الانسياق وراء الخطابات التي تُصوِّر الزواج باعتباره عبئًا ماليًّا أو ساحة للصراع. فالحياة الزوجية تقوم في جوهرها على التعاون والثقة وحسن التدبير، وأن المشكلات المالية يمكن تجاوزها بالإدارة الرشيدة والحوار.

وذكر أن الاستثمار يمثل المرحلة التالية للادخار وينبغي أن يبدأ بصورة تدريجية ومدروسة مع تجنب الاستثمارات الوهمية أو غير المضمونة. وحذر من الانخداع بالوعود التي تَعِد بأرباح سريعة لما قد يترتب عليها من الوقوع ضحية لعمليات النصب والاحتيال. وأكد ضرورة توجيه الأموال إلى مجالات معلومة وخاضعة للرقابة وعدم الاستثمار إلا بعد فهم طبيعة النشاط الاستثماري.

ولفت الانتباه إلى أهمية تطوير الإنسان لقدراته العلمية والعملية واكتساب المهارات التي تسهم في تحسين مستوى الدخل. كما دعا إلى التعامل الواعي مع التضخم من خلال ترشيد الإنفاق وتنمية مصادر الرزق وإعادة ترتيب الأولويات مع الالتزام بالوفاء بالالتزامات المالية في مواعيدها والاستفادة من صيغ التمويل المشروعة وفي مقدمتها المرابحة الإسلامية.

واختتم محاضرته بالتأكيد على أهمية غرس قيم القناعة وحسن إدارة الموارد والتخطيط المالي السليم منذ الصغر كاستثمار حقيقي لاستقرار الأسرة ومستقبلها. وشدد على أن الاستقرار الأسري لا يقاس بكثرة الأموال وإنما بحسن إدارتها والرضا بما قسم الله والأخذ بالأسباب المشروعة. وأكد أن الصدق والتعاون والإنفاق المسؤول والادخار والاستثمار الواعي تشكل مجتمعة الأسس الحقيقية لبناء أسرة مستقرة قادرة على مواجهة تحديات العصر.