قال عمرو موسى، الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، إن تقييم نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لا يمكن اختزاله في مفهوم “المنتصر والمهزوم”، مؤكدًا أن طبيعة الصراعات الدولية قد تغيرت، ولم يعد هناك انتصار مطلق أو هزيمة كاملة، مشيرًا إلى أن الحديث عن “الكاسب والخاسر” يتجاوز المفاهيم التقليدية.

وأوضح موسى، خلال حواره مع الإعلامية لميس الحديدي في بودكاست “موعد مع لميس” المذاع على “مصراوي”، أن الحروب الحديثة لم تعد تنتهي بنتيجة “100 مقابل صفر”، وإنما أصبحت تُقاس بالمكاسب والخسائر بالنقاط، بحيث يحقق كل طرف مكاسب في جوانب معينة ويخسر في أخرى.

أهداف الحرب على إيران تتجاوز إسرائيل

أكد الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية أن الهدف الأساسي للتحالف الأمريكي الإسرائيلي من الحرب كان إسقاط النظام الإيراني وإنهاء البرنامج النووي الإيراني بصورة نهائية، بما يؤدي إلى خلق واقع جديد في منطقة غرب آسيا التي تضم جانبًا كبيرًا من الثروات البترولية، موضحًا أن الهدف كان السيطرة على هذه المنطقة وهو ما يعكس سياسات القوى الكبرى.

وأشار عمرو موسى إلى أنه لا ينظر إلى إسرائيل باعتبارها صاحبة القرار الرئيسي في هذه الحرب، قائلاً إنه لا يحتسب إسرائيل باعتبارها الطرف القائد وإنما كانت الطرف الأكثر قدرة على الإقناع بمسار معين أو تطور معين بينما يبقى القرار في النهاية للولايات المتحدة.

وأضاف الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال حتى الآن ترغب في إعادة إيران إلى معسكرها، معتبرًا أن لإيران مكانة جيوسياسية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.

إيران وتركيا ومصر.. دوائر استراتيجية متعددة

استشهد موسى بحوار جمعه قبل سنوات مع أحد كبار الدبلوماسيين الهنود الذي أوضح خلاله أن إيران لا تُنظر إليها فقط باعتبارها دولة شرق أوسطية وإنما أيضًا باعتبارها دولة ذات تأثير كبير في جنوب آسيا يشمل الهند وباكستان وبنجلاديش.

وأوضح الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية أن إيران تمتلك امتدادين استراتيجيين؛ أحدهما في غرب آسيا والآخر في جنوب آسيا، مؤكدًا أن الأمر ذاته ينطبق على تركيا التي تمتلك امتدادًا في غرب آسيا وآخر عبر القوقاز إلى عمق آسيا.

وأشار إلى أن مصر بدورها تتمتع بدوائر استراتيجية متعددة، فهي دولة إفريقية ودولة عربية أيضًا وعضو فاعل في الاتحاد الأفريقي وتنتمي كذلك إلى الفضاء المتوسطي وهو ما يمنحها مجالات حركة واسعة مشابهة لما تتمتع به إيران وتركيا.

إيران خسرت ماديًا وربحت استراتيجيًا

رأى عمرو موسى أن إيران تكبدت خسائر مادية كبيرة نتيجة الحرب لكنها في المقابل حققت مكاسب سياسية واستراتيجية، مؤكدًا أن تقييم نتائج الحرب لا يقتصر على حجم الدمار وإنما يشمل أيضًا ما تحقق على المستوى الاستراتيجي.

وقال إن إيران خسرت ماديًا كثيرًا لكنها أصبحت بحسب تقديره قادرة على مواجهة دولة عظمى، معتبرًا أن إسرائيل ليست صاحبة التأثير الاستراتيجي في هذا الملف لأنها لا تمتلك من القدرات ما يمكنها من تغيير مسار دولة بحجم إيران مضيفًا أن إيران حققت مكسبًا استراتيجيًا رغم تعرض عدد من مواقعها للتدمير.

إعادة الإعمار يجب أن تخضع للرقابة

أوضح الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية أنه فيما يتعلق بإعادة إعمار إيران فإن الحديث يدور حاليًا عن حزم مالية تصل إلى مئات الملايين وربما مليارات الدولارات، مؤكدًا أن أحد الدروس المستفادة هو ضرورة ارتباط أي مساعدات مالية تقدم للدول الراغبة في التنمية ببرامج واضحة وآليات متابعة من الجهات المانحة.

وأضاف أنه لن يمنح أحد لإيران أموالاً لتوجيهها إلى حزب الله أو حماس أو أي أطراف أخرى وإنما ستُخصص لإعادة الإعمار خاصةً في ظل حجم الدمار الذي لحق بالبلاد مشيرًا إلى أنه من مصلحة إيران إعادة بناء نفسها.

الشعوب العربية رأت ما جرى اعتداءً خطيرًا

أشار موسى إلى أن الانطباع السائد منذ بداية الحرب كان بأن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي تخوضان معاً مواجهة ضد إيران وهو ما خلق حالة واسعة من عدم الارتياح في المنطقة.

وأضاف عمرو موسى أن هذا الشعور ربما لم تعبر عنه الحكومات بصورة مباشرة لكنه كان واضحاً لدى الشعوب العربية التي رأت ما جرى يمثل اعتداءً كبيراً وخطيراً شاركت فيه إسرائيل بهدف فرض نفسها قائدًا لمنطقة الشرق الأوسط لافتاً إلى أن رئيس وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدث عن أن إسرائيل ستقود المنطقة مستقبلًا.

إسرائيل لا تمتلك مقومات قيادة الشرق الأوسط

شدد موسى على رفضه لهذا الطرح مؤكدًا أن الولايات المتحدة نفسها لم تتمكن من قيادة العالم اعتماداً على القوة العسكرية وحدها وإنما لأنها امتلكت أيضًا قوة البناء والتنمية.

وأوضح أن إسرائيل لا تمتلك قوة البناء مضيفاً بقوله: “أينما ذهبت حصل الخراب” معتبرًا أنها مطالبة بإثبات العكس إذا كانت تريد أن تكون طرفاً مقبولاً في المنطقة.

الشرق الأوسط يتغير.. لكن إسرائيل ليست القائد

أكد الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية أن المنطقة تتجه بالفعل نحو شرق أوسط متغير ومتطور إلا أن الحديث عن قيادة إسرائيل لهذا الشرق الأوسط “غير صحيح وغير سليم”.

وأضاف موسى أنه حتى الآن لم تثبت إسرائيل قدرتها إلا على استخدام القوة والتخريب واستهداف المدنيين مشددًا على أنه إذا كانت ترغب في أن تصبح عضوًا من مجتمع المنطقة فعليها تقديم نفسها بصورة مختلفة لأن الإبادة لا يمكن أن تؤسس لدور قيادي.

وأشار عمرو موسى إلى أن هذا الوصف يستند إلى ما يُطرح أمام محكمة العدل الدولية وليس مجرد رأي شخصي مضيفاً أنه من باب الإنصاف القول إن إسرائيل تمتلك نظاماً مستقرّاً ومدارس وإدارة جيدة للمجتمع إلا أنّ هذه المقومات موجودة أيضاً في دول مثل: فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة ولا تمنحها وحدها حق قيادة المنطقة في ظل غياب القوة الناعمة.