في ظل استمرار الفجوة بين الإنتاج المحلي واستهلاك اللحوم الحمراء، وما يترتب عليها من ضغوط على الأسواق وارتفاع تكلفة توفير البروتين الحيواني، دعا الدكتور مصطفى خليل، عضو لجنة الزراعة بحزب أحداث اليوم، إلى تبني رؤية متكاملة لسد العجز. هذه الرؤية تقوم على الدمج بين استمرار دعم المشروع القومي للبتلو والتوسع في استيراد عجول التسمين المحسنة وراثيًا، بما يسهم في زيادة الإنتاج وتحقيق استقرار الأسعار. وأكد أن هذا التوجه يمثل أحد أهم الحلول لتحقيق الأمن الغذائي القومي خلال المرحلة المقبلة.

وأشار الدكتور مصطفى خليل إلى أن الدولة المصرية تواجه تحديًا استراتيجيًا يتمثل في وجود فجوة تتراوح بين 40% و50% بين الإنتاج المحلي والاستهلاك السنوي من اللحوم الحمراء. موضحًا أن هذا الواقع يفرض ضرورة تبني حلول تعتمد على الجدوى الاقتصادية والإنتاجية، بعيدًا عن الاكتفاء بالحلول التقليدية أو الاعتماد على مسار واحد لسد العجز.

وأوضح أن أحد أبرز التساؤلات المطروحة حاليًا يتمثل في مدى قدرة العجول المحلية الناتجة عن المشروع القومي للبتلو على سد هذه الفجوة بمفردها. أم أن المرحلة الحالية تتطلب الاتجاه إلى استيراد نحو 750 ألف عجل مفطوم بعمر 12 شهرًا وبأوزان تتراوح بين 250 و300 كيلوجرام من السلالات العالمية المحسنة وراثيًا وسريعة النمو، مما يحقق زيادة سريعة في الإنتاج المحلي.

وأضاف أن قراءة واقع الأمن الغذائي بالأرقام تؤكد أن الاعتماد على السلالات المحلية وحدها، رغم أهميتها الكبيرة، لن يحقق السرعة والكفاءة المطلوبة للسيطرة على السوق. مشيرًا إلى أن الحل الاستراتيجي يتمثل في تبني مزيج إنتاجي متوازن، يمنح السلالات المستوردة عالية الكفاءة دورًا في تسريع زيادة الإنتاج، مع استمرار السلالات المحلية في أداء دورها التنموي والاجتماعي داخل القرى المصرية.

وأشار عضو لجنة الزراعة بحزب أحداث اليوم إلى أن المشروع القومي للبتلو حقق نجاحات كبيرة خلال السنوات الماضية. حيث نجح في إنقاذ مئات الآلاف من رؤوس الماشية المحلية من الذبح المبكر عند أوزان صغيرة واستكمال تسمينها حتى أوزان اقتصادية تصل إلى نحو 400 كيلوجرام. وهو ما أسهم في رفع معدلات الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء إلى نحو 60%.

وأكد أن هذه النجاحات تستحق التقدير، إلا أن السلالات المحلية وصلت إلى حدودها البيولوجية من حيث معدلات النمو والتحويل الغذائي. موضحًا أن العجول البلدية والجاموس تحقق في أفضل الظروف معدلات زيادة يومية تتراوح بين 0.8 و1 كيلوجرام، كما تستهلك كميات أكبر من الأعلاف لإنتاج الكيلوجرام نفسه من اللحوم مقارنة بالسلالات العالمية المحسنة. وهو ما ينعكس على ارتفاع تكلفة الإنتاج.

وأضاف أن المخزون العددي للماشية المحلية يرتبط أيضًا بالطاقة الاستيعابية المحدودة لصغار المربين. مما يجعل الاعتماد عليها وحدها لسد الفجوة الحالية أمرًا بالغ الصعوبة بل قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على إناث الماشية واتجاه بعض المربين إلى ذبحها. وهو ما يمثل خطرًا على القدرة التكاثرية للثروة الحيوانية ويهدد استدامة الإنتاج في المستقبل.

وأوضح أن البديل المكمل يتمثل في استيراد نحو 750 ألف عجل مفطوم بعمر 12 شهرًا من السلالات العالمية المعروفة بكفاءتها الإنتاجية المرتفعة مثل الأنجوس والهيرفورد والليموزين والسيمينتال. مؤكدًا أن هذه السلالات أثبتت نجاحها في العديد من دول العالم بفضل سرعتها في النمو وارتفاع معدلات التحويل الغذائي.

وأشار إلى أن هذه السلالات تحقق معدلات زيادة يومية تتراوح بين 1.5 و2 كيلوجرام عند تطبيق برامج تغذية متوازنة. مما يعني إنتاج كميات أكبر من اللحوم باستخدام كميات أقل من الأعلاف، الأمر الذي يسهم في خفض تكلفة الإنتاج خاصة وأن جزءًا كبيرًا من خامات الأعلاف يتم استيراده بالعملة الأجنبية.

استيراد العجول الصغيرة يمنح قطاع التسمين ميزة اقتصادية

وأضاف أن استيراد العجول بعمر 12 شهرًا يمنح قطاع التسمين ميزة اقتصادية مهمة. حيث تدخل الحيوانات مباشرة إلى مرحلة التسمين داخل المزارع المصرية ولا تحتاج سوى دورة إنتاج تتراوح بين أربعة وستة أشهر للوصول إلى الوزن الاقتصادي المناسب للذبح والذي يتراوح بين 500 و550 كيلوجرامًا. مما يضمن سرعة دوران رأس المال وتحقيق عائد اقتصادي أفضل للمستثمرين والمربين.

وأكد أن إدخال نحو 750 ألف رأس من هذه السلالات إلى منظومة التسمين من شأنه إضافة ما يقرب من 180 إلى 200 ألف طن من اللحوم الحمراء الصافية سنويًا وهي كمية كفيلة بتقليص فجوة العجز بصورة كبيرة وتعزيز المعروض في الأسواق وكسر حلقات المضاربة وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في الأسعار بما يصب في مصلحة المستهلك والمنتج في الوقت نفسه.

وشدد على أن الرؤية التي يطرحها لا تستهدف استبدال الإنتاج المحلي أو التقليل من أهمية المشروع القومي للبتلو وإنما تقوم على التكامل بين المسارين بحيث يستمر دعم صغار المربين والماشية المحلية بالتوازي مع إدخال السلالات العالمية عالية الكفاءة لزيادة الإنتاج خلال فترة زمنية قصيرة.

وأوضح أن المسار الأول يتمثل في استمرار دعم صغار المربين داخل القرى وتوفير الرعاية البيطرية والخدمات الإرشادية وتحسين برامج التربية والتغذية بما يحافظ على الثروة الحيوانية المحلية ويعزز دورها الاجتماعي والاقتصادي.

وأضاف أن المسار الثاني يقوم على فتح الباب أمام المزارع النظامية والمتوسطة للحصول على التمويلات البنكية اللازمة لاستيراد وتسمين السلالات المستوردة سريعة النمو بما يحقق زيادة ملموسة في الإنتاج خلال فترة قصيرة دون تحميل صغار المربين أعباء إضافية.

وأكد أن دمج التكنولوجيا الحيوية التي تمثلها السلالات العالمية المحسنة مع البنية التحتية المتوافرة في المزارع المصرية يعد من أسرع وأقل الحلول تكلفة لتحقيق الأمن الغذائي وزيادة المعروض من اللحوم الحمراء وتحقيق توازن حقيقي ومستدام داخل الأسواق.

وطالب عضو لجنة الزراعة بحزب أحداث اليوم بوضع برنامج وطني متكامل للتوسع في استيراد عجول التسمين سريعة النمو بالتوازي مع استمرار دعم المشروع القومي للبتلو وتوفير التمويل اللازم للمربين والمستثمرين وتيسير إجراءات الاستيراد مع ضمان توفير الأعلاف والرعاية البيطرية بما يحقق أعلى معدلات إنتاجية ممكنة.

مؤكدًا على أن سد فجوة اللحوم الحمراء لم يعد يحتمل الاعتماد على الحلول التقليدية فقط مشددًا على أن الاستيراد المقنن والمدروس لعجول التسمين المحسنة وراثيًا بجانب استمرار دعم الإنتاج المحلي يمثل الطريق الأسرع لتحقيق الاكتفاء الذاتي تدريجيًا وضبط الأسواق وتوفير اللحوم للمواطنين بأسعار عادلة وتعزيز الأمن الغذائي القومي على أسس اقتصادية وإنتاجية مستدامة.