الجمعة 17/يوليو/2026 – 08:24 م.

في مدرسة الواقعية السياسية ومفهوم الحرب غير المتكافئة، تقوم الفكرة الجوهرية على أن «النصر» في النزاعات الدولية لا يُقاس دائماً بتدمير جيش الخصم، بل بقدرة الطرف الأضعف على إفساد خطط الطرف الأقوى وجعل كلفة استمراره غير محتملة. وبما أن التاريخ هو مختبر السياسة، فإنه يقدم لنا نماذج عديدة لم تستطع فيها معظم القوى الإقليمية هزيمة القوى العظمى عسكريًا، لكنها نجحت في استنزافها ورفع كلفة استمرارها، مما دفعها إلى مراجعة استراتيجياتها أو إعادة صياغة أهدافها. فقد واجهت الإمبراطورية الرومانية تمردات حدودية استنزفت مواردها، وفي الحروب النابليونية، عندما حاول نابليون بونابرت فرض هيمنته على أوروبا، اصطدم بحقيقة أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي لإخضاع بيئات جغرافية وسياسية معقدة. وقد حقق انتصارات ساحقة، لكنه استنزف إمبراطوريته في إسبانيا ثم في الحملة الروسية عام 1812، قبل أن ينتهي مشروعه في معركة واترلو عام 1815. ولم تكن هزيمته نتيجة معركة واحدة، بل نتيجة تراكم الاستنزاف واتساع الجبهات وتآكل القدرة على إدارة الإمبراطورية.

وتكرر المشهد مع الإمبراطورية البريطانية التي بلغت ذروة قوتها في القرن التاسع عشر حتى وُصفت بأنها «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس». ورغم سيطرتها على البحار والتجارة العالمية، واجهت سلسلة من التحديات التي كشفت حدود قدرتها على فرض الإرادة السياسية رغم امتلاك القوة العسكرية. أما الولايات المتحدة، القوة العظمى منذ نهاية الحرب الباردة، فقد واجهت بدورها النمط نفسه. ففي فيتنام لم تُهزم عسكريًا بالمعنى التقليدي، لكنها وجدت أن كلفة استمرار الحرب أصبحت أعلى من عائدها السياسي. وتكرر الأمر في العراق وأفغانستان حيث أثبتت التجربة أن إسقاط الأنظمة أسهل كثيراً من بناء نظام سياسي مستقر يحقق الأهداف الاستراتيجية التي قامت من أجلها الحرب، والآن تواجه ذات التحدي مع إيران.

من هذا المنطق التاريخي يمكن فهم وتفسير السلوك الإيراني؛ فهي لا تسعى إلى مواجهة الولايات المتحدة في حرب تقليدية تعرف مسبقًا أنها لا تستطيع الانتصار فيها، وإنما تراهن على استراتيجية الاستنزاف ورفع التكلفة. فمن خلال تهديد الملاحة في مضيق هرمز واستهداف القواعد الأمريكية واستخدام الوكلاء، تحاول طهران جعل تكلفة الحفاظ على الهيمنة الأمريكية في الخليج أعلى من العائد الاستراتيجي الذي تحققه واشنطن. ومن ثم فإن الهدف الإيراني ليس هزيمة الولايات المتحدة بقدر ما تحاول إيران استثمار الجغرافيا السياسية أو «القدر» كما أسماها نابليون لتحويل النفوذ الميداني إلى اعتراف سياسي دائم.

لكن التاريخ يقدم أيضًا درسًا آخر لا يقل أهمية؛ وهو أن القوى المتوسطة التي بالغت في تحدي القوى العظمى دون امتلاك موارد كافية تعرضت لاستنزاف طويل الأمد أضعف قدراتها الداخلية واستنزف مواردها أيضًا. لذلك فإن نجاح استراتيجية الاستنزاف يظل مرهونًا بقدرة الدولة على تحمل كلفتها الاقتصادية والسياسية وليس فقط بقدرتها على إيقاع الخسائر بخصمها. فالعقوبات الاقتصادية المشددة والعزلة الدولية وكلفة تمويل الوكلاء قد تؤدي إلى تآكل الجبهة الداخلية للدولة المستنزِفة قبل أن تنكسر القوة العظمى مما يهدد بانهيارها من الداخل نتيجة الإفلاس الاقتصادي أو الاضطرابات الاجتماعية. هي إذن مباراة «عض أصابع» حول من لديه قدرة أعلى على تحمل الألم والاستمرار في النزيف لفترة أطول؛ فمن سيصرخ من الألم أولاً: واشنطن أم طهران أم الشرق الأوسط والعالم؟