منذ زمن بعيد، اعتاد الإنسان على استخدام أسماء بعض الحيوانات كوسيلة للإهانة، وكأن عالم الحيوان قد خُلق ليكون قاموسًا مفتوحًا للسباب والشتائم، بينما احتفظ الإنسان لنفسه، دون وجه حق أحيانًا، بكل صفات العقل والحكمة والوفاء وحسن الخلق.

ومن أكثر الحيوانات التي تعرضت لهذا الظلم التاريخي هما الكلب والحمار. فالكلب أصبح اسمه عند البعض سُبة، بينما الحمار تحول إلى الوصف الأشهر للغباء، حتى استقر الأمر في الوعي الجمعي وكأنه حقيقة لا تقبل المناقشة. لكن التأمل البسيط في سلوك الحيوانين قد يدفعنا إلى إعادة النظر في الأمر كله، وربما إلى تقديم اعتذار متأخر لهما أيضًا.

فالكلب، الذي يستخدم البعض اسمه للإهانة، يعرف الوفاء ويحفظ الجميل ويتعلق بمن أحسن إليه ويدافع عنه ويفرح بعودته ويحزن لفراقه. قد يظل ينتظر صاحبه طويلاً دون أن يبدله بصاحب آخر لمجرد أن الأخير يملك بيتًا أكبر أو طعامًا أكثر. والكلب يحفظ الجميل، بينما بعض البشر لا يتذكرون المعروف إلا حين تنتهي حاجتهم إليه.

فهل يفعل كل البشر ذلك؟ كم من إنسان نسي في لحظة من وقف بجواره سنوات؟ وكم من شخص أدار ظهره لمن ساعده بمجرد انتهاء المصلحة؟ وكم من صديق غيّرته الظروف؟ وكم من صاحب فضل أصبح عبئًا على ذاكرة من أحسن إليه لأنه يذكره بماضٍ يريد أن يتنكر له؟

ثم يأتي الحمار، ذلك الحيوان الصبور الذي حمل أثقال البشر عبر آلاف السنين، وتحمل ما لا يتحمله كثيرون. سار في الطرق الصعبة وعرف طريقه وتذكر الأماكن ولم يكن غبيًا كما صوّرته الأمثال والحكايات. بل إن ما يفسره الإنسان أحيانًا على أنه عناد من الحمار قد يكون حذرًا ورفضًا للمضي في طريق يشعر فيه بالخطر.

وهنا تصبح المقارنة أكثر إحراجًا؛ فالحمار قد يتوقف أمام طريق خطر، بينما بعض البشر يندفعون إلى الهلاك رغم كل التحذيرات. والحمار يحمل الأثقال في صمت، بينما بعض البشر يصنعون من أصغر مسؤولية بطولة قومية ويطالبون الجميع بالتصفيق لهم صباحًا ومساءً.

والحمار يعرف الطريق الذي سار فيه من قبل، بينما هناك من يكرر الخطأ ذاته مرات ومرات ثم يصر في كل مرة على تحميل الآخرين مسؤولية النتيجة. ومع ذلك ما زلنا نقول عن الغبي إنه حمار وعن قليل الأصل إنه كلب!

أعتقد أن هناك ظلمًا بيّنًا للحيوانين هنا. فمشكلة بعض البشر ليست في أنهم يشبهون الحيوانات وإنما في أنهم فقدوا بعض الصفات الجميلة التي تمتلكها الحيوانات بالفطرة ولم ينجحوا رغم ما منحهم الله من عقل في اكتساب الحد الأدنى من الوفاء أو الصبر أو الامتنان أو حتى الحذر.

لقد منح الله الإنسان العقل والقدرة على التمييز والاختيار، ولذلك فإن الخطأ البشري أكثر تعقيدًا من سلوك الحيوان؛ لأن الحيوان يتصرف وفق طبيعته وغريزته بينما يستطيع الإنسان أن يعرف الصواب ثم يختار عكسه وأن يدرك قيمة الوفاء ثم يغدر وأن يعرف الجميل ثم ينكره وأن يرى الخطر ثم يسير إليه بكامل إرادته.

ربما لهذا السبب يجب أن نراجع قاموسنا القديم. فعندما نرى إنسانًا ينكر الجميل، لا ينبغي أن نظلم الكلب بتشبيهه به. وعندما نرى شخصًا يكرر أخطاءه ويرفض التعلم فلا داعي لإقحام الحمار في الموضوع. وعندما نصادف من يجمع بين الغدر والجحود والغباء والغرور فالأفضل أن نكتفي بوصفه بأنه إنسان سيئ؛ فهذا الوصف وحده كافٍ ولا ضرورة لإهانة مخلوقات بريئة لم ترتكب شيئاً مما ارتكبه.

لقد ظلمنا الكلب حين جعلناه رمزًا للإهانة رغم وفائه وظلمنا الحمار حين جعلناه رمزًا للغباء رغم صبره وحذره وتحمله. وربما آن الأوان أن نقدم لهما اعتذاراً تاريخياً باسم البشر وأن نتوقف عن تحميلهما مسؤولية صفات لا علاقة لهما بها.

أما بعض البشر الذين لا يملكون وفاء الكلب ولا صبر الحمار ولا ذاكرة أي منهما للجميل والطريق، فالسؤال ما زال قائمًا: بماذا نصفهم إذن؟