بينما كانت أنظار آلاف المواطنين في شوارع محافظة الشرقية تتجه بذهول نحو الشاشات الكبرى، يتفاعلون مع كل ركلة ويصرخون مع كل هجمة خلال المباراة بين مصر والأرجنتين، كان هناك طفل صغير لا يتجاوز بضع سنوات يخوض مباراة من نوع آخر. مباراة قائمة على التحدي، وساعتها هي لقمة العيش، وشاشتها أرصفة الشوارع المتكدسة.
في الوقت الذي كان فيه الجميع يتسابق لحجز مقاعدهم داخل المقاهي ودفع ثمن المشروبات لمتابعة أداء رفاق محمد صلاح، وقف الطفل “محمد” وسط الزحام بطريقة تثير الشجن والدهشة معاً. لم يكن يحمل هاتفاً حديثاً لالتقاط صور “الذكريات”، ولم يكن لديه ترف الجلوس على مقعد مريح، بل كان متلفعاً بعلم مصر في يد بينما قبضت يده الأخرى بقوة على كيس بلاستيكي كبير يجمع فيه عبوات “الكانز” والمشروبات المعدنية الفارغة التي يلقيها المشجعون.
هذا الرواج التجاري الكبير والكثافة البشرية غير المسبوقة لم يعتبرهما “محمد” مجرد حدث كروي عابر، بل رأى فيهما “باب رزق” وطاقة خير فتحتها له السماء؛ ليجمع بين عشق الوطن وعودته إلى منزله ببضعة جنيهات تعينه على مشقة الحياة.
بملامح سمراء لفحتها شمس الصعيد وبابتسامة بريئة لا تفارق وجهه، تحدث “محمد” لـ”مصراوي” أثناء اللقاء قائلاً: “أنا جاي اتفرج على الماتش، ويدوب بدعي ربنا يكرمنا وتفوز مصر حبيبتي.. أنا بحب محمد صلاح وزيزو وزيكو، ومراهن على كل اللعيبة إنهم يجيبوا جوان ومصر تكسب وتفرحنا”.
ثم التفت بصره نحو كيسه البلاستيكي الذي بدأ يمتلئ تدريجياً، وقال والسرور يلمع في عينيه: “الزحمة دي فرصة خير ليا.. جيت أشجع مصر وأجمع علب الكانز بعد ما الماتش يخلص.. هبيعها لبتاع الخردة وآخد فلوسها، ولو مصر كسبت هفرح جداً ومن الفرحة دي هعزم صحابي بالفلوس”.
تلك الأحلام البسيطة التي صاغها “محمد” بعفوية اصطدمت بنهاية درامية قاسية حبست دموع الآلاف في الشوارع. فبعد أن عاش الفراعنة ليلة تاريخية تقدموا فيها بهدفين نظيفين بأقدام ياسر إبراهيم ومصطفى زيكو، نجح المنتخب الأرجنتيني في العودة وقلب الطاولة ليخطف الفوز بنتيجة (3-2) في الأنفاس الأخيرة، معلناً إقصاء مصر من دور الـ16 لمونديال 2026.
ومع إطلاق صافرة النهاية، تبدلت ملامح الفرحة العارمة في شوارع الشرقية إلى صمت وذهول وحسرة. غادرت الجماهير المقاهي مطأطئة الرأس حزناً على ضياع حلم ربع النهائي.
وسط هذا الركام من مشاعر الخيبة، ظل “محمد” واقفاً. لم تمنعه مرارة الهزيمة كبقية المشجعين من مواصلة مباراته الخاصة؛ انحنى يلملم ما خلفته الجماهير الباكية من عبوات فارغة. فرغم أن الفراعنة خسروا معركة المستطيل الأخضر وحرموه من “عزومة أصحابه”، إلا أن محمد لم يملك رفاهية الاستسلام للحزن وواصل كفاحه ليعود إلى منزله بـ”قوت يومه”، حاملاً علمه المرفوع وكيسه الممتلئ بانتظار غدٍ أفضل يجود به القدر.

