قالت الدكتورة جيهان زكى، وزيرة الثقافة، أمام لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب: «سنذهب للمواطن بالثقافة ولن ننتظر حضوره إلينا» هذا التصريح يعكس أزمة مزمنة عانت منها السياسة الثقافية المصرية لعقود، فالمواطن توقف عن الذهاب إلى الثقافة ليس لعدم اهتمامه، ولكن لأن المؤسسات الثقافية هي التي ابتعدت عنه أولًا.

أصبح من الصعب إقناع طفل من جيل «ألفا» بزيارة قصر ثقافة مغلق على أنشطة تقليدية بينما يقضي ساعات يومه بين منصات الفيديو والألعاب الإلكترونية والمحتوى التفاعلي العالمي الذي يصل إليه بضغطة زر ويخاطب لغته واهتماماته وأحلامه.

كما أصبح من العبث الاعتقاد بأن شابًا من جيل «زد» يمكن استعادته عبر محاضرة تقليدية أو ندوة يحضرها عشرات الأشخاص في الوقت الذي يخوض فيه معركة انتباه شرسة مع منصات عالمية تنفق مليارات الدولارات على صناعة المحتوى وجذب المستخدمين وتحليل سلوكهم وتطوير أدوات التأثير عليهم.

لا يمكن الحديث عن عدالة ثقافية حقيقية بينما لا تزال الثقافة تحتل موقعًا متأخرًا في أولويات الإنفاق العام، وتحصل على نسبة محدودة من الموازنة لا تتناسب مع حجم الدور المطلوب منها في حماية الوعي الوطني ومواجهة التطرف الفكري والتفكك الاجتماعي والانحدار المعرفي.

الدولة التي تنفق المليارات على البنية التحتية والطرق والكباري تحتاج أيضًا إلى الاستثمار في البنية التحتية للعقول، لأن المباني الأسمنتية والطرق لا تستطيع وحدها بناء الإنسان أو حماية الهوية الوطنية.

قد تبدو مبادرات مثل «أتوبيس الفن» و«سينما الشعب»، ومنصة «E ثقافة» خطوات إيجابية تستحق التقدير، لكنها تظل أقرب إلى الإسعافات الأولية منها إلى العلاج الجذري للمشكلة.

فأتوبيس الفن يستطيع أن يصل إلى قرية أو نجع ليوم أو يومين، لكنه لا يستطيع تعويض غياب المسارح المغلقة أو المكتبات المهجورة أو قصور الثقافة التي تعاني نقص التمويل وضعف الإمكانيات وغياب الكوادر المدربة.

أما «سينما الشعب» فتعيد بعضًا من حق المواطن في الوصول إلى الفن بأسعار مناسبة، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض سنوات طويلة من تراجع دور السينما في المحافظات وترك المجال لمنصات البث العالمية لتصبح المصدر الرئيسي لتشكيل الذوق والوعي لدى الأجيال الجديدة.

منصة «E-ثقافة» تدخل إلى ساحة مزدحمة بلاعبين عالميين يمتلكون خبرات وتقنيات وميزانيات تتجاوز ميزانيات وزارات ثقافة كاملة في العالم النامي.

التعامل مع جيل «زد» لا يتحقق بمجرد رقمنة المحتوى الورقي أو رفع تسجيلات الندوات على الإنترنت، لأن هذا الجيل لا يبحث عن المعلومات فقط، بل يبحث عن التفاعل والسرعة والصورة والإيقاع السريع والتجربة الرقمية الكاملة.

إن المنافس الحقيقي لمنصة الثقافة الرقمية المصرية ليس المنصات المحلية الأخرى، وإنما عمالقة التكنولوجيا العالمية الذين ينجحون كل يوم في احتلال ساعات أطول من حياة الشباب المصري وتشكيل وعيه وذوقه وقيمه.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع قصور الثقافة استعادة جيل «ألفا» الذي لم يعرفها أصلًا؟

الكثير من الأطفال ولدوا وكبروا دون أن يدخلوا مسرحًا حكوميًا أو مكتبة عامة أو يشاركوا في نشاط فني داخل مؤسسة ثقافية رسمية، بينما أصبحت الهواتف الذكية هي المدرسة الموازية وخوارزميات المنصات الرقمية هي التي تقرر ما يشاهدونه وما يفكرون فيه وما يعتبرونه نجاحًا أو قدوة.

استعادة هذا الجيل لن تتحقق بطلاء المباني أو تغيير اللافتات أو افتتاح احتفالي، وإنما بإعادة بناء المشروع الثقافي المصري بالكامل وإعادة تعريف دور المؤسسة الثقافية لتصبح مساحة للإبداع الرقمي والفنون التفاعلية والذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى الحديث.

فالعدالة الثقافية لا تعني فقط توزيع الأنشطة على المحافظات، وإنما تعني ضمان حق كل طفل وشاب في الوصول إلى المعرفة والفنون والأدب والمسرح والسينما بغض النظر عن مكان إقامته أو قدرته الاقتصادية.

معركة الوعي التي تتحدث عنها الدولة لن تُحسم بالخطابات ولا بالشعارات وإنما بالموازنات العامة وأولويات الإنفاق والسياسات طويلة المدى.

الأمم لا تفقد مكانتها الإقليمية حين تخسر معركة السلاح بل حين تخسر معركة التأثير واللغة والفن والهوية.

كانت مصر لعقود طويلة تصدر الكتاب والأغنية والسينما والمسرح والفكرة مما صنع نفوذًا لم تستطع الجيوش ولا الاتفاقيات السياسية أن تصنعه.

اليوم تبدأ استعادة الدور الريادي للقوة الناعمة المصرية بسؤال بسيط ومؤلم: هل ما زلنا نتعامل مع الثقافة باعتبارها استثمارًا في المستقبل أم باعتبارها بندًا يمكن الاستغناء عنه عند إعداد الموازنة؟

إذا كانت الحكومة جادة حقًا في أن تذهب الثقافة إلى المواطن فعليها أولًا أن تذهب بالمخصصات والموارد والإرادة السياسية إلى الثقافة نفسها.