الثلاثاء 18/أغسطس/2026 – 09:43 ص .
عندما يتحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن أهمية بناء الإنسان المصري، فهو لا يشير إلى مجرد شعار يُرفع في المناسبات، أو عبارة تُضاف إلى خطط الحكومة، بل ينبه إلى قضية عميقة تتعلق بماذا حدث للإنسان داخل مجتمعنا؟
فالدولة قادرة على إنشاء الطرق والكباري والمدن والمشروعات، وتطوير المستشفيات والمدارس والجامعات، لكن كل ذلك يحتاج إلى إنسان قادر على الحفاظ عليه واستخدامه وتطويره.
لذا، فإن بناء الإنسان ليس ملفًا منفصلًا عن ملفات الدولة، بل هو القضية التي تتقاطع عندها جميع الملفات.
والإنسان الذي نسعى لبنائه ليس مجرد شخص يحمل شهادة تعليمية، وإنما إنسان يمتلك عقلًا واعيًا، وجسدًا سليمًا، ونفسًا مستقرة، وضميرًا يعرف معنى الصواب والخطأ، وسلوكًا يحترم الآخرين والمجتمع والقانون.
وأتذكر هنا عبارة كانت مكتوبة على جدران مدرستي: «العقل السليم في الجسم السليم».
كانت تبدو لنا كحكمة مدرسية تتكرر على الجدران، لكننا عندما نكبر ندرك أنها تلخص فلسفة كاملة في بناء الإنسان.
فالعقل والجسد ليسا عالمين منفصلين. النشاط البدني لا يمنح الإنسان صحة جسدية فحسب، بل يساعد أيضًا على تحسين التركيز والذاكرة ويخفف التوتر. كما أن الاستقرار النفسي ينعكس على صحة الجسد وقدرة الإنسان على مواجهة ضغوط الحياة.
لذلك يبدأ بناء الإنسان من منظومة متكاملة تشمل التربية والتعليم والثقافة والصحة، وعلى رأسها الصحة النفسية.
لكنني أتوقف طويلًا أمام كلمة تكاد تختفي من حديثنا اليومي: التربية.
نحن غالبًا ما نقول: وزارة التعليم أو وزير التعليم ومدارس التعليم ومناهج التعليم، بينما الاسم الذي عرفناه طويلًا هو وزارة التربية والتعليم.
وجود كلمة «التربية» في اسم الوزارة ليس أمرًا شكليًا.
فالمدرسة لم تُنشأ لتعليم الطفل جدول الضرب وقواعد اللغة والتاريخ والجغرافيا والعلوم فقط. هذه مهمة ضرورية لكنها ليست الوحيدة.
المدرسة هي أيضًا مكان يتعلم فيه الطفل كيفية التعامل مع زميله واحترام معلمه وكيف يختلف دون اعتداء وكيف يحافظ على الممتلكات العامة ويقول الحقيقة ويدرك أن القوة ليست في إيذاء الآخرين وأن النجاح ليس على حساب زملائه.
التعليم يبني العقل لكن التربية تبني السلوك.
وعندما ينفصل الاثنان أو تترجح إحداهما على الأخرى قد نحصل على شخص متعلم لكنه لا يعرف كيف يستخدم ما تعلمه في الحياة.
لذلك ومع المتغيرات الاجتماعية التي نشهدها ومع الحوادث التي نسمع عنها بين الحين والآخر أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار الحقيقي لمفهوم التربية داخل المدرسة.
نحن لا نحتاج إلى العودة إلى الماضي كما هو بل نحتاج لاستعادة الأشياء الجميلة التي فقدناها منه وتطويرها بما يتناسب مع العصر.
ومن أهم ما يجب أن نستعيده هو دور الأخصائي النفسي والاجتماعي في المدرسة.
فالطفل لا يولد عدوانيًا بالضرورة ولا يستيقظ يومًا ليقرر أن يصبح مصدر خطر على نفسه أو الآخرين. هناك تغيرات تطرأ عليه ومؤشرات تظهر في سلوكه وقد تكون هناك مشكلة في البيت أو المدرسة أو بين الأصدقاء أو تعرض للتنمر أو شعور بالإهمال أو اضطراب لا يستطيع التعبير عنه بالكلام.
وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة معًا.
إذا لاحظ الأب أو الأم تغيرًا واضحًا في سلوك الطفل أو ميلًا متزايدًا نحو العنف أو الانعزال أو الغضب المستمر أو الاعتداء على الآخرين فلا ينبغي أن تكون الإجابة الأولى هي العقاب والصراخ. أحيانًا يحتاج الطفل إلى من يسمعه قبل أن يحتاج إلى من يعاقبه.
الذهاب إلى الأخصائي النفسي لا يجب أن يكون وصمة عار أو اعتراف بأن الطفل “مريض”. هذه ثقافة نحتاج لتغييرها.
فكما نذهب بالطفل إلى الطبيب عندما ترتفع حرارته يجب أن نلجأ إلى المتخصص عندما تتغير حالته النفسية أو سلوكه بصورة تستدعي الانتباه. الصحة النفسية ليست رفاهية بل جزء من الصحة العامة.
وهنا يأتي دور الأسرة. فالمدرسة مهما فعلت لا تستطيع وحدها بناء الإنسان إذا كان الطفل يعود إلى بيت يهدم كل ما تعلمه في المدرسة. لا يمكن أن نعلمه احترام الآخر في الفصل ثم يراه في البيت يسمع ألفاظا جارحة أو يشاهد عنفاً وإهانة. ولا يمكن أن نطالبه بضبط غضبه إذا كان الكبار من حوله يحلون كل خلاف بالصوت المرتفع. الطفل يتعلم مما نفعله أكثر مما يتعلم مما نقوله.
ثم يأتي دور الرياضة. فالرياضة ليست مجرد نشاط إضافي في جدول المدرسة بل وسيلة لتربية الإنسان على الانضباط والصبر والعمل الجماعي وتقبل الفوز والهزيمة. الطفل الذي يمارس الرياضة يتعلم أن الفوز لا يأتي من أول محاولة وأن الخسارة ليست نهاية العالم وأن النجاح يحتاج إلى تدريب وصبر. وهذه كلها دروس مهمة للحياة.
ومن هنا فإن بناء الإنسان يحتاج إلى تعاون المؤسسات جميعها وليس عمل كل قطاع بمعزل عن الآخر. التربية والتعليم يبنيان العقل والسلوك والثقافة توسع الوعي والرياضة تبني الجسد والانضباط والصحة تحافظ على الإنسان والصحة النفسية تحمي توازنه.
هذه هي المنظومة التي نحتاج إليها. فالهدف النهائي ليس فقط تخريج طالب يعرف الإجابة عن سؤال في الامتحان بل تخريج إنسان يعرف كيف يعيش ويحب وطنه دون تعصب ويختلف دون كراهية وينجح دون سحق الآخرين ويستخدم التكنولوجيا بشكل إيجابي ويواجه مشكلاته دون اللجوء للعنف. وعندما تحدث الرئيس عن بناء الإنسان كان يتحدث حقاً عن المستقبل لأن مستقبل أي دولة لا تصنعه المباني وحدها بل يصنعه الإنسان الذي يعيش داخل هذه المباني. ولهذا فإن إعادة التربية إلى قلب العملية التعليمية ليست ترفاً وإعادة الاهتمام بالصحة النفسية ليست رفاهية وإعادة الرياضة والثقافة لحياة الطفل ليست أموراً ثانوية بل هي أجزاء أساسية من مشروع بناء الإنسان.

