اسم الله الصمد، العلم بالله هو أجل العلوم وأعلاها، وأنفعها عند الله وأسماها. كيف لا يكون كذلك، وهو يعرّف العباد بأعظم من عُرف، ويقربهم إلى أسمى من عُبد؟ فهو يجلي للعبد حقيقة ربه، ويعرف صفاته وأسماءه، حتى يعبده على بصيرة، ويحبه على علم.
وقد حثَّ النبي – صلى الله عليه وسلم – أمته على تتبع أسمائه – سبحانه – ومعرفتها وحفظها، ووعدهم جزاء ذلك الجنة. فقال – عليه الصلاة والسلام -: (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة) متفق عليه. ولا يعني الحديث حصر أسماء الله في تسعة وتسعين اسمًا، وإنما المراد أن الجزاء مرتب ومعلق على إحصاء هذا العدد. في السطور التالية سوف نتناول شرح اسم الله الصمد وما ورد فيه من القرآن الكريم والسنة النبوية.
ومن أسماء الله الحسنى: (الصمد)، وقد ورد اسم الله “الصمد” في القرآن الكريم مرة واحدة في سورة (الإخلاص)، وورد كذلك في أحاديث نبوية كثيرة.
قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ}(الإخلاص: 1-2). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ له ذلكَ، وشَتَمَنِي ولَمْ يَكُنْ له ذلكَ. أمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ أنْ يقول: إنِّي لَنْ أُعِيدَه كما بَدَأْتُه، وأَمَّا شَتْمُه إيَّايَ أنْ يَقُولَ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا، وأنا الصَّمد الذي لَمْ ألِدْ ولَمْ أُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لي كُفُؤًا أحَدٌ) رواه البخاري.
وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: (سَمِعَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم رجُلًا يقول: اللّٰهُمَّ! إنِّي أسألُكَ بأنِّي أشهدُ أنَّكَ أنت اللّٰه، لا إلَه إلاَّ أنت، الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يلِد ولم يُولَد ولم يكن له كفؤًا أحدٌ. فقال: لقد سأل اللّٰه باسمِهِ الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب) رواه أبو داود.
وقال ابن القيم في قصيدته “النونية”:.
وهو الإله السيّد الصمد الذي صمدت إليه الخلق بالإذعان
الكامل الأوصاف من كل الوجوه كماله ما فيه من نقصان.
معاني اسم الله (الصمد)
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}(الإخلاص:2): “قال عكرمة عن ابن عباس: يعني الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم ومسائلهم. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه والعليم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمته. وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه؛ هذه صفته لا تنبغي إلا له. ليس له كفء وليس كمثله شيء؛ سبحان الله الواحد القهار.” وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه. وقال عكرمة: {الصمد} الذي لم يخرج منه شيء ولا يُطعم.
وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد. وكأنه جعل ما بعده تفسيراً له وهو قوله: {لم يلد ولم يولد} وهو تفسير جيد. وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب. وقال عبد الله بن بريدة أيضًا: {الصمد} نور يتلألأ. روى ذلك كله وحكاه ابن أبي حاتم والبيهقي والطبراني.
وقال الشنقيطي في “أضواء البيان”: “من المعروف في كلام العرب إطلاق الصمد على السيد العظيم وعلى الشيء المصمت الذي لا جوف له.. فإذا علمت ذلك فإن الله تعالى هو السيد الوحيد الملجأ عند الشدائد والحاجات وهو المتعالي عن صفات المخلوقين كأكل الطعام ونحوه؛ سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.”.
وقال الزجاج في “تفسير الأسماء الحسنى”: “وأصحه أنه السيد المصمود (المقصود) إليه في الحوائج.” وقال الخطابي في “شأن الدعاء”: “(الصمد) هو السيد الذي يصمد إليه في الأمور ويقصد في الحوائج والنوازل.. وقيل الصمد الدائم وقيل الباقي بعد فناء الخلق.” وقال البخاري في باب قوله تعالى:{اللَّهُ الصَّمَدُ} يقول العرب تسمي أشرافها “الصمد”.
وقال ابن تيمية في “مجموع الفتاوى”: “(الصمد) فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة وليس كذلك بل كلها صواب والمشهور منها قولان أحدهما أن الصمد هو الذي لا جوف له والثاني أنه السيد الذي يُصْمَد إليه في الحوائج.”.
فضل سورة الإخلاص
عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(أَيَعْجِزُ أحدكم أن يقرأ ليلة ثلث القرآن؟ قالوا وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال قل هو اللّه أحَدٌ تعدل ثلث القرآن) رواه مسلم.
قال السعدي في تفسيره:{اللَّهُ الصَّمَدُ} أي المقصود بجميع الحوائج فأهل العالم العلوي والسفلي مفتقرون إليه غاية الافتقار يسألونه حوائجهم ويرغبون إليه في مهماتهم لأنه الكامل بأوصافه العليم الحكيم الرحيم الجواد وغير ذلك من صفاته.
Aسماء الله الحسنى أصل من أصول العقيدة الإسلامية وكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه وقوي يقينه ومن أسماء الله عز وجل الثابتة بالقرآن والأحاديث النبوية (الصمد) وهو السيد العظيم بعلمه وحكمته وحلمه وقدرته وعزته وجميع صفاته سبحانه وتعالى وهو الذي تصمد وتتوجه إليه الخلائق بحوائجها وتلجأ إليه.

