استقبل الجمهور التشيكي أربعة أفلام عربية جديدة بحفاوة كبيرة، حيث تفاعلوا معها بالضحك المتفجر بين جنبات القاعات، مما أظهر فهمهم العميق للغة السينمائية والثقافة المحلية بكل إيماءاتها الإنسانية. لذا لم يكن مفاجئًا تصفيقهم الحماسي المطول – بدرجات متفاوتة – عقب عروضها في قاعات السينما خلال فعاليات مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، الذي شهد دورته الاستثنائية رقم 60 و80 بين 3-11 يوليو 2026.

لبنان وجائزة أفضل تمثيل

تتميز هذه الأفلام الأربعة ليس فقط بلغتها السينمائية وموضوعاتها الجديدة وقدرتها على الجمع بين التجاري والفني، ولكن أيضًا بمشاركة الفيلم اللبناني “قساطل” – بمعنى “أنابيب المياه” – للمخرج كريم قاسم، الذي جاء بدعم لبناني وقطري سعودي، حيث نافس في المسابقة الرسمية على الكريستال جلوب، وفاز بطل الفيلم غسان سعد بجائزة أفضل تمثيل للرجال.

المثير للاهتمام أن غسان سعد ليس ممثلًا محترفًا، وجميع أبطال كريم في أفلامه السابقة من غير الاحترافيين، لكن الجائزة وفوز غسان يؤكدان على مهارة المخرج في إدارة أبطال فيلمه، رغم أي تحفظات قد تُبدي على الأداء.

تدور أحداث الفيلم حول شخصية حسن التي يجسدها غسان سعد. إنه موظف متقاعد في شركة المياه بإحدى قرى لبنان. توفي صديقه رضا – من بنجلاديش – قبل فترة قصيرة في ظروف غامضة، والآن يعيش حسن حالة من الحداد والحزن على صديقه الراحل الذي كانت تربطه به علاقة قوية. يعيش حسن وحدته بعد أن تركته ابنته إلى المدينة كما فعل الكثير من الشباب، فالقرية أصبحت خالية منهم تمامًا ولا يسكنها سوى كبار السن.

اعتاد حسن على مساعدة جيرانه في حل مشاكل انقطاع المياه، لكن الأزمة هذه المرة تفاقمت وأصبحت أكثر حدة؛ فالمدينة بأكملها تعاني من انقطاع المياه منذ أكثر من أسبوع مما يؤثر سلبًا على علاقات الناس. ورغم رغبته في مساعدة الجميع، يجد حسن نفسه محاصرًا بالحزن وقلة المال لشراء قوت يومه. ومع ذلك يتعامل الناس معه كأنه موظف مسؤول ويحمّلوه المسؤولية بشكل صارم، بينما ينسون أنه متقاعد وأنه كان يساعدهم بدافع إنساني. يحتفظ حسن بروح الفكاهة والسخرية اللاذعة أحيانًا تجاههم وتجاه وضعه. وخلال كل ذلك يسعى لصناعة شيء لتخليد ذكرى صديقه الراحل.

يمتاز المخرج اللبناني كريم قاسم بخصوصيته في توظيف لغته السينمائية وبراعة اختياراته سواء مع الأماكن أو الشخصيات وصناعة المواقف بينهم. تصفه الناقدة التشيكية آنا كورينيك – من فريق برمجة المهرجان – بأنه “استخدم أنواعًا سينمائية مختلفة ببراعة ليقدم صورة مزدوجة أنيقة لرجل على مشارف الشيخوخة وللمكان الذي كان جزءًا منه طوال حياته. إنه يفعل ذلك بحنين وروح دعابة خفيفة ونظرة عميقة تكاد تكون تأملية مع لمسة من التحقيق البوليسي.”.

هذه ليست المرة الأولى لمشاركة لبنان ولكنها الثانية لمشاركة الأفلام العربية عمومًا في المسابقة الرسمية ضمن تاريخ الدورات الستين للمهرجان التشيكي العريق الذي يُعد الأهم والأبرز في وسط وشرق أوروبا. كانت المرة الأولى قبل ثلاثة أعوام بمشاركة فيلم “على حافة البركان” للمخرج اللبناني سيريل العريس والذي حصل آنذاك على تنويه وشهادة تقدير سلمتها له درة بوشوشة التي كانت عضو لجنة التحكيم في ذلك العام.

الجدير بالذكر أن سيريل العريس شارك أيضًا سابقًا بفيلمه “المرجوحة” ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية عام 2018 قبل إلغاء تلك المسابقة وإتاحة الفرصة للأفلام الوثائقية للتنافس مع الروائية على الكرة الكريستال.

لغة الأرت هاوس والروح التجارية

عند مشاهدتي لهذه الأفلام الأربعة لفت انتباهي تميزها بالحس التجاري؛ فهي أفلام لم تتخلَ عن اللغة السينمائية وخيار الإبداع ومستوى الأرت هاوس لكنها أيضًا استطاعت تحقيق المعادلة الصعبة وصنع مواقف قادرة على تفجر الضحك لدى الجمهور. وفي رأيي فإن ثلاثة منها على الأقل – “هوت سبرنج” و”المحطة” و”نجوم الألم والأمل” – قادرة على المنافسة بقوة في شباك التذاكر رغم أي ملاحظات نقدية قد تُبدي عليها.

جاءت عروض الأفلام الثلاثة الأخرى ضمن قسم “آفاق” الذي يحقق مشاهدات عالية جدًا وغالبًا ما تنفد تذاكره سريعًا مما يجعل الطوابير طويلة جدًا في قائمة الانتظار. أتذكر أنني لم أتمكن من مشاهدة فيلم “هوت سبرنج” خلال حفل الصحافة بسبب ارتباطي بإجراء حوار مع أحد صناع الأفلام ولم أتمكن من العثور على تذكرة له بعد نفاد جميع التذاكر، مما اضطرني للحضور قبل موعد العرض بثلاث ساعات والانتظار أمام قاعة العرض. لكن بالطبع لا يتم إضاعة الوقت خلال الانتظار لأننا نحضر أجهزة الكمبيوتر ونكتب أو نشاهد أفلام أون لاين أثناء ذلك.

تقوم ببطولة الفيلم الممثلة المغربية لبنى أزابال وهو من تأليف وإخراج رمزي بشور، مخرج سوري لأم من إنديانا. تدور أحداث الفيلم حول أم فلسطينية انفصلت عن زوجها القادم من إنديانا والتي تقرر تحقيق أمنية ابنها الوحيد بمناسبة عيد ميلاده وتوصيله إلى مكان يلتقي فيه مع والده. إنه فيلم طريق رائع يتفجر بالضحك والسخرية ويستعرض العلاقة الجميلة بين الأم وابنها رغم التوتر والمزاج السيء الذي يغمرها أحيانًا.

أما فيلم “البارحة العين ما نامت” من إخراج الفلسطيني راكان مياسي فتدور أحداثه حول حروب ونزاعات تختلف عما يحدث الآن، حيث نشهد الحياة اليومية للبدو المحليين وقوانينهم الخاصة التي تسري على الجميع. الأحكام التي يصدرها شيخ القبيلة تكون نافذة ولا يجوز خرقها مهما بدت ظالمة للبعض؛ هنا تدفع النساء ثمن أخطاء الرجال وأحكامهم الجائرة. نتيجة خطأ قاتل يرتكبه الأخ تدفع الأسرة بأسرها الثمن وتتشتت وتطرد من دارها بينما الأخوات يدفعن الثمن الأكبر؛ إحداهن تُزوّج رغم إرادتها لرجل لا تعرفه وتعيش معه كأنها سجينة بينما الأخرى تطلق لكنها لا تستطيع العودة إلى المنزل الذي عاشت فيه لأنه أصبح كالقبر بلا أبواب أو نوافذ. يُعد هذا الفيلم التجربة الأولى للمخرج الفلسطيني راكان مياسي.

الفيلم الثالث هو لبناني الهوية بدعم قطري سعودي وإنتاج لبناني بعنوان “نجوم الألم والأمل” للمخرج سيريل العريس ويتناول قصة حب تدور أحداثها وسط الحرب عبر الفلاش باك والفلاش فورورد وأجواء من السخرية والكوميديا السوداء حيث نعايش ثلاثة أجيال عاشت خراب لبنان وكأن قصة الحرب تتكرر مرات ومرات.

ثم يأتي فيلم “المحطة” للمخرجة اليمنية ذات الأصول المختلطة (أب يمني وأم إسكتلندية) ليؤكد روح السخرية في مواجهة الحرب وقدرة النساء على الصمود ومواصلة الحياة بطرق مختلفة؛ يُعد هذا الفيلم التجربة الروائية الأولى للمخرجة رغم أنها قدمت أعمال تسجيلية سابقة مثل “بيت التوت”.

الجدير بالذكر أن ثلاثة منها تمت بدعم لبنان وقطر والسعودية حيث شاركت كل دولة في إنتاج ثلاثة منها كما شاركت السعودية أيضًا بإنتاج فيلم هندي شارك في مسابقة بروكسيما بعنوان “يد ملطخة بالحبر وإبهام مفقود” من إخراج ياشافي جويال. لكن الأمر الأكثر إثارة هو أن أحد هذه الأفلام – “هوت سبرنج” – رغم كونه إنتاجًا مستقلًا إلا أنه شارك تحت اسم الولايات المتحدة الأمريكية بينما يحمل توقيع مخرج ذو أصول عربية وهو رمزي بشور الذي قام بالإخراج والإنتاج وتأليف السيناريو والموسيقى كما قام أيضًا بالمونتاج لبعض الأفلام الأخرى.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأي كاتبها وليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع.