قالت دار الإفتاء المصرية إن من أعظم مظاهر السَّلام والتسامح الديني ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في “صُلْحِ الحديبية”؛ فإنه خرج هو والمسلمون معتمرين مسالمين مخبتين معظِّمين للمقدسات، وأبى أن يقاتل المشركين رغم استفزازهم للمسلمين ومحاولة النيل منهم؛ حيث بَعثوا رجالًا منهم إلى المسلمين، وأمروهم أن يطوفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليصيبوا من أصحابه أحدًا.
سماحة النبي عليه السلام مع المشركين
روى ابن أبي شيبة في “المصنف”، والإمام أحمد في “المسند”، والإمام مسلم في “صحيحه”، وأبو داود في “سننه”، والترمذي في “جامعه” وصححه، وأبو عوانة في “مستخرجه”، وغيرهم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “لمَّا كان يوم “الحديبية” هبط على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ثمانون رجلًا مِن أهل مكَّةَ في السِّلاح مِن قِبَلِ جبل التّنعيم عند صلاة الفجر يريدون غِرَّةَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأُخِذُوا سلمًا، فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾”.
وأوضحت الإفتاء عبر حسابها الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وافق على شروط المشركين المتعنتة طلبًا لإقرار مبدأ السلام، وتعظيم المقدسات؛ فجلس للصُلح مع سُهيل بن عمرو الذي وكلته قريش، وصبر على تعنت الكفار؛ في ممارساتهم التعسفية وشروطهم المجحفة التي أملَوْها على المؤمنين، وفي امتناعهم عن كتابة البسملة والإقرار برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الحيلولة بين المسلمين وبين البيت الحرام ذلك العام، وذلك كله في سبيل تعظيم الأشهر الحرم وتعظيم البيت الحرام والإذن لهم بدخوله.
وأضافت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين بقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونني خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» أنه إنما صبر على ذلك التعنت كله وعلى تلك الشروط والممارسات لأنه كان يهدف إلى الاتفاق مع المشركين على عدم صد أي إنسان عن البيت إذا أحرم قاصدًا له، كائنًا من كان.
وأكدت أن هذه النماذج وغيرها تدل على أن الإسلام هو دين التسامح والسلام، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتقل من ممارسات التسامح في مكة المكرمة قبل الهجرة النبوية إلى إقراره في شكل مبادئ وقواعد وعلاقات مجتمعية ودولية وعالمية في المدينة المنورة بعد الهجرة الشريفة، وهذا أعظم دليل على أن تسامحه صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة لم يكن ضعفًا ولا عجزًا، وإنما كان منهج حياة وتطبيقًا وامتثالًا لتعاليم الدين القويم الذي أرسله الله تعالى به؛ حيث يقول له سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

