في إحدى أمسيات الصيف في بلدة سبسطية شمال الضفة الغربية المحتلة، يلعب الأطفال الفلسطينيون في حديقة صغيرة مع انحسار حرارة النهار، بينما تجتمع العائلات الفلسطينية بجوار أطلال كنيسة بيزنطية. إلى جانبهم، يرفرف علم فلسطيني ضخم فوق الموقع الأثري القريب، الذي يعود تاريخه لأكثر من ثلاثة آلاف عام، بعدما تحول إلى جزء من صراع سياسي حول السيطرة على الأرض وحق رواية تاريخها.

وبحسب تحقيق موسع نشرته مجلة “972+” الإسرائيلية ذات التوجهات اليسارية، فقد أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في فبراير 2026 أمرًا بمصادرة أكثر من مليوني متر مربع من الأراضي المحيطة بالموقع الأثري في سبسطية، بما في ذلك أراض زراعية مملوكة لفلسطينيين. وهذه الخطوة تمثل “أكبر عملية استيلاء على أراض تنفذها إسرائيل بذريعة حماية الآثار”.

ردًا على ذلك، سارعت السلطة الفلسطينية إلى طلب إدراج سبسطية على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، على أمل أن يوفر الاعتراف الدولي قدرًا من الحماية للموقع. ورغم إعلان وزير السياحة الفلسطيني نجاح هذا المسعى مؤخرًا، إلا أن تأثير هذا الاعتراف على أرض الواقع لا يزال غير واضح، وفق المجلة.

إخضاع المواقع الأثرية الفلسطينية لسلطة الاحتلال

داخل المتحف الأثري الصغير في سبسطية، الواقع داخل بقايا كنيسة القديس يوحنا المعمدان، تعرض قطع أثرية تمتد من العصر البرونزي مرورًا بالعصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية لتوثيق تعاقب الحضارات التي سكنت المنطقة. لكن منذ 7 أكتوبر 2023، أوضحت أمينة المتحف ولاء غزال أن حرب الإبادة الإسرائيلية قضت تقريبًا على قطاع السياحة في البلدة، تاركة المتحف والموقع الأثري شبه خاليين من الزوار.

ورغم ذلك، ترى غزال أن تراجع أعداد السياح لم يعد القضية الأكثر إلحاحًا. مؤكدةً في تصريحات لمجلة “972+” أن سبسطية تنتزع “قطعة بعد قطعة”. وتعبر عن أملها في أن يضمن إدراجها على قائمة التراث العالمي الحفاظ على تاريخها وإنقاذه؛ حيث تستخدم السلطات الإسرائيلية بصورة متزايدة حماية الآثار ذريعة لفرض السيطرة على الأراضي الفلسطينية عبر أوامر المصادرة وتوسيع أعمال التنقيب. وهذا يتزامن مع مساعٍ لإخضاع المواقع الأثرية مباشرة للسلطات المدنية الإسرائيلية، وهي خطوة يعتبرها منتقدون حلقة جديدة في مسار ضم الضفة الغربية المحتلة.

انتهاك اتفاقيات أوسلو

تشير المجلة في تحقيقها إلى تسارع هذه الحملة؛ حيث تقول الباحثة في منظمة “عيمق شافيه” الإسرائيلية غير الحكومية تاليا عزراحي إن قرارين أصدرتهما الحكومة الإسرائيلية عام 2024 ومطلع عام 2026 وسعا صلاحيات وحدة الآثار التابعة للإدارة المدنية. وهذا يسمح لها بتنفيذ إجراءات رقابية وإنفاذية خارج المنطقة (ج)، الخاضعة للسيطرة المدنية الإسرائيلية، لتشمل أيضًا المنطقتين (أ) و(ب)، اللتين يفترض أن تخضعا لولاية السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو.

ولم تقتصر عمليات مصادرة الأراضي على سبسطية بل امتدت إلى مواقع تراثية أخرى مثل قرية النبي صموئيل شمال القدس المحتلة. كما تدفع جهات رسمية إسرائيلية وجماعات استيطانية باتجاه بسط السيطرة على برك سليمان قرب بيت لحم، وهي ثلاثة خزانات مائية تاريخية كانت تشكل جزءًا من نظام مائي قديم زود بيت لحم والمناطق المحيطة بالمياه لعقود طويلة.

مشروعات استيطانية إسرائيلية بزعم حماية الآثار

في مايو الماضي، دفع الكنيست بمشروع قانون ينقل صلاحيات إدارة الآثار في الضفة الغربية المحتلة من وزارة الحرب الإسرائيلية وجيش الاحتلال الإسرائيلي إلى هيئة مدنية تعمل وفق القانون الإسرائيلي. ورغم تجميد المشروع مؤقتًا مطلع الشهر الماضي، يرى منتقدون أنه يجسد بوضوح عملية قائمة بالفعل على الأرض تعتمد استخدام علم الآثار ليس فقط للتنقيب عن الماضي بل لإعادة رسم خريطة السيطرة على الحاضر.

ويرى المدير العام لمؤسسة “مسار فلسطين التراثي” جورج ريشماوي أن التركيز المتزايد على المواقع الأثرية والتراثية لا يمكن فصله عن سياسة تفتيت الجغرافيا الفلسطينية المحيطة بها. ويقول إن هذه السياسة تتجاوز مسألة من ينقب عن الآثار أو يديرها؛ إذ تتحول المواقع التي تعرض باعتبارها مشروعات لحماية التراث إلى نقاط ارتكاز للسيطرة الإسرائيلية على الأراضي الواقعة بين التجمعات السكانية الفلسطينية وربطها برواية تاريخية يهودية إسرائيلية حصرية بهدف محو الهوية الفلسطينية بالكامل. ويؤكد ريشماوي أنها أداة للاستيلاء على مواقع التراث وربطها بهوية مختلفة.

القوانين الدولية حبر على ورق

تقول عزراحي لمجلة “972+”: ما يجري في سبسطية والنبي صموئيل جزء من سياسة حكومية أوسع تستهدف إخضاع المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية للسيطرة الإسرائيلية؛ وكل شيء تقريبًا أصبح يخضع لهذه السيطرة بصورة غير مسبوقة.

وتضيف: “الادعاء بأن الفلسطينيين يهملون الآثار في المنطقة (ج) غير منطقي لأنهم لم يسمح لهم أصلاً باتخاذ أي إجراءات لحمايتها هناك.”.

وعلى الرغم من أن إدراج سبسطية على قائمة التراث العالمي يضيف مستوى جديداً من الرقابة الدولية، تحذر عزراحي من اعتباره ضمانة كاملة للحماية قائلةً إنه إذا أدرج الموقع فهذا لا يعني تلقائيًا أنه سيكون محميًا من اعتداءات المستوطنين. الأمر ليس ضماناً؛ وهو ما نشاهده يوميًا في قرية بتير جنوب الضفة الغربية المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر منذ عام 2014.

وتتعرض قرية بتير جنوب الضفة الغربية لاعتداءات يوميًا رغم إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر حيث يسعى مستوطنون إسرائيليون مسلحون منذ سنوات إلى تهجير السكان الفلسطينيين قسراً من منازلهم وقد نجحوا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية الأخيرة ضد غزة في منع الأهالي من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم.