ستيفن داوتي، بوجه أبيض بيضاوي وعيون تخفي أكثر مما تظهر، وابتسامة تحمل في طياتها “خناجر”، كما وصفه الكاتب البريطاني الراحل ويليام شكسبير، يبدو وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط ستيفن داوتي كشخصية سياسية غامضة. يوجه بين الحين والآخر انتقادات للمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة، بينما يمتنع عن اتخاذ مواقف حادة تجاه سلطات الاحتلال الإسرائيلي أو الدفاع عن الحق الفلسطيني في الوجود.
هذا التناقض في مواقف داوتي دفع جريدة “جويش نيوز” البريطانية، المعنية بالشأن اليهودي في المملكة المتحدة، إلى الإشادة بمواقفه تجاه إسرائيل، معتبرة أن تدخلاته في هذا الملف “معروفة بنزاهتها”!
النزاهة.. لمن؟
إشادة “جويش نيوز” بمواقف داوتي ووصف تدخلاته بشأن إسرائيل وفلسطين بأنها “معروفة بنزاهتها” تفتح باب التساؤل حول المعايير التي تُقاس بها هذه النزاهة. هل تمثل مواقف داوتي فعلاً موقفًا متوازنًا من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أم أنها تقتصر على انتقاد بعض مظاهر العنف الاستيطاني مع استمرار الدعم السياسي الأوسع لإسرائيل وسياساتها العنصرية؟
منذ دخوله البرلمان البريطاني عام 2012، أظهرت مواقف داوتي فجوة بين انتقاد بعض الممارسات الإسرائيلية وبين اتخاذ خطوات سياسية تضغط على الحكومة الإسرائيلية؛ وبلغت تلك الفجوة ذروتها منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر 2023. ففي نوفمبر من العام ذاته، امتنع عن التصويت على مشروع قرار في مجلس العموم يطالب بوقف إطلاق النار في غزة؛ وفي يناير 2024، صوت ضد مشروع ينص على منع الهيئات والمؤسسات العامة المحلية في المملكة المتحدة من فرض حظر على الاستثمار في المستوطنات اليهودية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
رفض تعليق بيع الأسلحة البريطانية لإسرائيل
وفي مارس 2024، رفض التوقيع على خطاب يطالب الحكومة البريطانية بتعليق بيع الأسلحة إلى إسرائيل. وقد وقع على هذا الخطاب 184 عضوًا من مجلسي العموم واللوردات من مختلف الأحزاب. وانتقد الخطاب بشدة “تواطؤ” بريطانيا مع جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل.
وفي 22 مايو 2024، لم يوقع خطابًا إلى وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد لامي يطالب بالتزام بريطانيا بتنفيذ أمر المحكمة الجنائية الدولية باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه آنذاك يوآف جالانت لمحاكمتهما بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة. وقد وقع على هذا الخطاب أكثر من 100 عضو في مجلسي العموم واللوردات من مختلف الأحزاب البريطانية. اتخذ داوتي موقفه الداعم لجرائم الحرب الإسرائيلية رغم إعلانه سابقًا الدفاع عن المحكمة واستقلاليتها.
إرهاب ذوي جلدته
لم يتوقف دعم داوتي لسلطات الاحتلال الإسرائيلي عند مواقفه من التطورات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل امتد إلى الداخل البريطاني نفسه ليشمل موقفه من الناشطين المناهضين للاحتلال والداعمين للحقوق الفلسطينية.
ففي يوليو 2025، أيد داوتي قرار وزارة الداخلية القاضي بتصنيف حركة “فلسطين أكشن”، المعروفة بمناهضتها للاحتلال الإسرائيلي ودعمها للحقوق الفلسطينية، كمنظمة إرهابية. وقد أدى ذلك إلى ملاحقة المئات من أعضاء الحركة ومناصريها قضائيًا، مما يمثل توسعًا غير مسبوق لاستخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد ناشطين سياسيين ومدنيين.
ومن بين أبرز تداعيات القرار استمرار احتجاز عدد من الناشطات المؤيدات لفلسطين داخل سجن برونزفيلد، الذي يعد أكبر سجن مخصص للنساء البالغات والقاصرات في أوروبا. وقد تحول اسم السجن خلال الأشهر الأخيرة إلى رمز للحركات التضامنية مع فلسطين بعد احتضانه عددًا من الناشطات اللواتي شاركن في فعاليات احتجاجية ضد الحرب الإسرائيلية على غزة.
وفي يوليو الماضي، رفض داوتي أيضًا التوقيع على خطاب يطالب رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام بفرض عقوبات على إسرائيل. وقد بلغ عدد الموقعين على الخطاب 80 عضوًا ما بين نائب ولورد, متبنيًا موقفاً يؤسس للعنف الإسرائيلي ويمنحه بيئة سياسية وقانونية للاستمرار.
مسيرة مثيرة للجدل
ولد داوتي في مدينة كارديف عام 1980 وتلقى تعليمه في جامعتي أكسفورد وسانت أندروز قبل أن يبدأ مسيرته المهنية لدى منظمة “أوكسفام” الدولية. هذه التجربة تبدو اليوم مفارقة لافتة عند مقارنتها بمواقفه السياسية اللاحقة تجاه القضية الفلسطينية.
ففي عام 2011 تولى رئاسة “أوكسفام ويلز” وهي منظمة تنشط في مجال العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وتشارك في حملات للضغط على الحكومة البريطانية لاتخاذ مواقف أكثر حزماً تجاه إسرائيل ودعم الحقوق الفلسطينية. كما شاركت المنظمة أيضًا في حملات تضامنية مثل حملة “خط أحمر ويلز” التي دعت إلى وقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة وحماية البنية التحتية والعاملين في المجال الإنساني؛ مما يعكس حجم التناقض بين سياساته المعلنة وتلك التي يخفيها خلف قناع!
سياسي بألف وجه
شغل داوتي سابقاً منصب وزير الدولة لشؤون أوروبا وأمريكا الشمالية والأقاليم ما وراء البحار بوزارة الخارجية والكومنولث والتنمية من 8 يوليو 2024 إلى 21 يوليو 2026. وانتخب لأول مرة كعضو برلمان عن حزب العمال والتعاونيات الويلزي عن دائرة كارديف الجنوبية وبينارث في نوفمبر 2012. وعمل أيضًا ضمن الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي ولدى أعضاء الجمعية الوطنية لويلز.
ترأس داوتي المجموعة البرلمانية المشتركة بين الأحزاب المعنية بفيروس نقص المناعة البشرية والإيدز وكان عضوًا بالجمعية البرلمانية البريطانية الأيرلندية. وفي عام 2020 تم تعيينه وزيرًا للخارجية والتنمية الدولية بحكومة الظل وفي عام 2021 تم تعيينه وزيرًا لأوروبا وأمريكا الشمالية والأقاليم ما وراء البحار بحكومة الظل قبل أن يصل إلى موقعه الحالي مسؤولاً عن ملف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالحكومة البريطانية وكأنه رجل بألف وجه.

