ليس هناك شعور يملأ فؤاد الكاتب بالسكينة والأمل، أعمق ولا أبهى من رؤية نبض قلمه يتجسد في أرض الواقع. لحظة يتيقن فيها أن السطور التي ولدت يومًا من رحم الهم المسؤول تتحول إلى رأي يُسمَع، وفكر يُتدَبَّر، وإجراء يُنفَّذ في دوائر صناعة القرار.

تتضاءل أمام هذه اللحظة فرحة النشر الأولى، وتتوارى نشوة القراءة الواسعة ورنين الثناء العابر؛ لأنها تعيد للإنسان يقينه الفطري بأن الكلمة الصادقة لا تذهب سدى. العقل الذي يجلس في سدة الحكم، وإن بدا بعيدًا تختطفه أمواج التحديات والمسؤوليات، ليس مغلقًا أمام الحجة الرشيدة. بل يسمع الصوت النزيه وينصت ويتفحص النصائح والتوصيات بإمعان، مما يبعث في النفوس أملًا جديدًا.

الكتابة في الشأن العام ليست مجرد ممارسة أكاديمية باردة، ولا هي استعراض للبيان والتنميق اللفظي. بل هي شهادة أمانة يحملها المقال ليضعها بين يدي الوطن. وعندما يجد المفكر أن ما استنسخه من رؤى وتأملات لم يمت على هامش الصحف أو يتجمد في بلاط الحكومات، بل تحول إلى شرارة تُستضيء بها المؤسسات، تشع في قلبه جوهرة الأمل التي تضيء ظلمات الإحباط والتوجس. حين يتحول المقال إلى قرار.

قبل حوالي عام، نُشر مقال بصحيفة المصري اليوم بتاريخ 28 أغسطس 2025 بعنوان “ظاهرة القائم بأعمال: مزايا ومساوئ ومخاطر التعميم”. حيث تم التحذير من أن اتساع نظام القائم بالأعمال في الجهاز الإداري المصري ليس حلًا بريئًا، بل خطر بنيوي يهدد سلامة القرار ويكرّس الجمود والأيادي المرتعشة، ويهرب من المنافسة الشفافة، ويصيب الكوادر الشابة بالإحباط ويعقّد آليات الرقابة والمحاسبة.

وكانت الدعوة واضحة: أن يكون هذا النظام استثناءً محكومًا بإطار زمني صارم، لا قاعدة تُدار بها المناصب الكبرى لسنوات عديدة.

وفي الأسبوع الماضي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء المصري كتابًا دوريًا بتوجيهات من رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي يقضي بإيقاف أي تعيينات بالوظائف القيادية بنظام القائم بالأعمال أو بشكل مؤقت إلا في أضيق الحدود وللضرورة القصوى فقط مع اعتماد “المنصة الوطنية للتأهيل والتعيين بالوظائف القيادية والإشرافية” كمسار وحيد وحصري للتعيين.

جاء القرار استنادًا إلى توجيهات السيد رئيس الجمهورية بتطوير الجهاز الإداري من خلال منظومة متكاملة لاختيار القيادات. وهو ما يعني عمليًا غلق الباب أمام القائم بالأعمال الدائم الذي حذّر منه المقال قبل عام.

لم يكن الأمر توقعًا عشوائيًا، بل قراءة متأنية لمرض إداري متكرر كان يُعاد إنتاجه في وزارة تلو الأخرى. حتى بلغ الأمر حد تكليف محافظ البنك المركزي المطلوب منه رسم سياسات نقدية قصيرة وطويلة الأجل بصفته قائم بأعمال!

كما تم حديثا تكليف وزير التعليم العالي بمهام وزير الثقافة لحين تعيين وزير جديد، وهو مثال حي على الظاهرة نفسها التي طالب المقال بتقييدها. ولذلك حين يُصدر مجلس الوزراء كتابًا دوريًا يحمل قرارات تقيد الظاهرة وتذكر نفس المنطق وربما نفس المصطلحات فإن ذلك ليس مجرد تطابق بل هو دليل على أن الصوت الناصح إن صبر يجد من يستمع إليه في نهاية المطاف.

من الورقة إلى الخريطة: حلف وُلد من رحم الفكرة

الأمل لا يقف عند حدود الإصلاح الإداري الداخلي فقط بل يمتد إلى الجغرافيا الأوسع للمنطقة. ففي مقالين متتاليين نُشرا في المصري اليوم خلال إبريل 2026 تحت عنوانَي “الخليج في مرمى النيران” و”الخليج بعد العاصفة” طُرحت رؤية جريئة: أن يكون الرد على مشروع إسرائيل الكبرى وعلى هشاشة المظلة الأمنية الأمريكية ببناء كتلة إقليمية متماسكة ترتكز على أربعة أعمدة استراتيجية هي دول الخليج ومصر وتركيا وباكستان مستندة إلى ديموغرافيا تتجاوز 600 مليون نسمة وثقل مصر التاريخي والحضاري وصناعات تركيا الدفاعية ودرع باكستان النووي.

وفي 7 أغسطس 2026 وفي قصر الصفا بمكة المكرمة وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الجميع على غرار المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو.

تهدف الاتفاقية بحسب البيان الرسمي إلى تعزيز الردع الجماعي وتطوير التعاون الدفاعي والعسكري والصناعي بين الدول الثلاث وإرساء علاقات دفاعية أكثر مؤسسية واستدامة. لم يكن التكتل المُقترح في المقال يضم السعودية وتركيا وباكستان فقط بل أضاف إليه مصر وربما العراق وأن يكون الباب مفتوحا لدخول إيران نفسها لتحسين علاقتها بدول الجوار.

لكن نواة الفكرة وهي التحالف الثلاثي السني الكبير الذي يجمع الثقل الديموغرافي والعسكري والدفاعي وُلدت اليوم على الأرض وتركت الباب مفتوحاً أمام انضمام دول إقليمية أخرى مستقبلًا وهو تحديداً ما تمنّى صاحب الرؤية عندما كتب أن “المهم هو الانطلاق فالتاريخ لا ينتظر المترددين”.

ثمة فرق جوهري بين من يكتب لينفّس عن رأي عابر ومن يكتب لأنه يؤمن كما آمن إدوارد سعيد بأن “الظواهر السياسية والاجتماعية القائمة لم تكن يومًا قدرًا محتومًا. الكتابة الجادة هي نوع من المقاومة الهادئة ضد الاستسلام للواقع” وهي أيضًا نوع من الثقة بأن صاحب القرار حين تصله الحجة الرشيدة لا يتجاهلها بالضرورة.

وما حدث هذا الأسبوع بين قرار إداري يقيّد ظاهرة القائم بالأعمال وتحالف دفاعي يعيد رسم موازين المنطقة ليس دليلًا على أن كاتباً غيّر مسار السياسات بمفرده بل هو دليل أعمق وأكثر تفاؤلاً: أن الأفكار الصائبة حين تُطرح بصدق ووضوح تجد طريقها للتراكم في وعي صناع القرار حتى لو تأخر ظهورها وحتى لو جاءت من مصادر متعددة تتقاطع عند نفس الحقيقة.

إن هذه اللحظة تستحق أن تُقرأ بعين المتفائل لا بعين المتشكك؛ فالقيادات التي تفتح نافذة للاستماع إلى النصح المخلص ولو جزئيًا تمنح الوطن فرصة أثمن من أي قرار بمفرده: فرصة أن يشعر كل صاحب رأي مسؤول بأن صوته له وزن وأن التعليق النزيه ليس صرخة في وادٍ بل بذرة قد تنبت يومًا قراراً أو معاهدة.

والدعوة اليوم إلى القيادات في مصر وفي الخليج وفي كل مكان هي الاستمرار في مد الجسر بين الفكر والفعل وأن تفتح الأبواب أكثر لكل من يكتب بلا مصلحة إلا مصلحة الوطن؛ فالطريق الطويل نحو الإصلاح لا يُعبَّد إلا بحجارة الصدق المتراكمة حجرًا بعد حجر ومقالاً بعد مقال وفكرة صادقة بعد أخرى.