غيب الموت، اليوم الإثنين، الموسيقار هاني شنودة، بعد مسيرة فنية طويلة وثرية. ومع رحيله، يعود الحديث من جديد عن واحدة من أهم المحطات في مشواره الفني، وهي تأسيس فرقة “المصريين” التي لم تكن مجرد فرقة غنائية ناجحة، بل كانت مشروعًا موسيقيًا رائدًا في موجة التجديد التي شهدتها الموسيقى المصرية آنذاك.

في أواخر السبعينيات، قدم هاني شنودة مع فرقة المصريين تجربة موسيقية مختلفة عن السائد في تلك الفترة، اعتمدت على التوزيع الموسيقي الحديث والغناء الجماعي وموضوعات اجتماعية قريبة من الحياة اليومية. وبذلك أصبحت واحدة من أبرز تجارب التجديد في الأغنية المصرية خلال تلك الحقبة.

دور نجيب محفوظ

المثير أن الشرارة الأولى لفكرة فرقة “المصريين” ارتبطت بالأديب العالمي نجيب محفوظ. فبحسب ما رواه هاني شنودة في أكثر من لقاء، كان يقدم مع فرقة شبابية مقطوعات وأغنيات غربية قبل أن يتحدث معه نجيب محفوظ ويسأله: لماذا لا تقدمون أغاني بالعربية؟ وخلال حديثهما قال له محفوظ: “لا تستبدل شهوة الكلام بشهوة العمل.. اعمل الأغنية اللي انت شايفها صح”. وقد أكد شنودة أن هذه الكلمات كانت بمثابة بذور زرعت في رأسه.

يقول شنودة إن هذا الحديث دفعه إلى التفكير في إمكانية تقديم موسيقى عربية مختلفة. ليبدأ بعدها رحلة البحث عن صيغة جديدة تجمع بين الآلات والتقنيات الموسيقية الحديثة والكلمة العربية. وجاءت الخطوة التالية في مسيرة هاني شنودة من خلال تعاونه مع الشاعرين عبد الرحيم منصور وشوقي حجاب في بدايات مشروع محمد منير الغنائي، حيث شارك في تقديم ألبوم “علموني عنيكي”. ورغم أن التجربة لم تحقق صدى جماهيريًا واسعًا عند طرحها، فإنها مهدت لمرحلة جديدة في مشواره الفني، إذ قادته إلى بلورة فكرة “المصريين” التي انطلقت رسميًا في ديسمبر 1977 وقدمت لاحقًا نموذجًا مختلفًا للغناء الجماعي وأسهمت في ظهور عدد من الأصوات الشابة.

ومع طرح ألبوم “بحبك لا” اكتشف الجمهور لونًا مختلفًا لم يكن معتادًا عليه بهذا الشكل من قبل. وقدمت فرقة “المصريين” أغنيات مميزة وسرعان ما تحولت أغنيات مثل “ماشية السنيورة” و”ما تحسبوش يا بنات إن الجواز راحة” و”ابدأ من جديد” إلى أعمال ساكنة في ذاكرة أجيال متعاقبة.

ورغم توقف الفرقة عام 1988، إلا أن شنودة كان يحاول إعادة إحياء التجربة من حين لآخر. ولا يزال تأثير الفرقة متواصلًا؛ فما زالت أغنياتها ناجحة ويحبها الكثيرون حتى اليوم. وما زال اسمها حاضرًا كلما جرى الحديث عن التجارب التي ارتبطت بموجة التجديد الموسيقي في مصر خلال السبعينيات والثمانينيات.

وبين عشرات الألحان والمشروعات الفنية التي قدمها هاني شنودة، تبقى فرقة “المصريين” واحدة من أبرز بصماته الفنية وأكثرها تأثيرًا؛ ليس فقط لما حققته من نجاح جماهيري ولكن لأنها قدمت نموذجًا مختلفًا للأغنية المصرية لتصبح واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ الموسيقى المصرية الحديثة.